اشتغلتنا هذه الايام بعض وسائل الاعلام بالحديث عن مساع أمريكية لانهاء (الخلاف) بين كل من قطر ودول مجلس التعاون الخليجي بقيادة السعودية، وتحقيق مصالحة بين الطرفين.

وصارت وسائل الاعلام تلك مهتمة جدا بمواكبة المحاولات والمفاوضات التي يجريها مسؤولون امريكيون في الرياض مرة وفي الدوحة أخرى، علنا وسرّا بهدف ترطيب الاجواء الجافة بين العاصمتين وصولا الى المصالحة النهائية.

جاء كوشنير، وذهب بومبيو، وقالت كايلي ماكيناني، وصرح فلان، وقال علّأن، وكأن الإدارة الأمريكية عضو في منظمة عدم الانحياز ويهمها استقرار منطقة الخليج وتحرص على تدعيم السلم والأمن بين دولها.

معلوم أن جذور ما يسمى بالأزمة السياسية بين السعودية وحلفائها من جهة وقطر من جهة أخرى تعود الى 2014 حين سحبت السعودية ودول اخرى حليفة لها سفراءها من الدوحة احتجاجا على ما وصفته عدم التزام قطر بمقررات مجلس التعاون الخليجي.

وقد تطورت الأوضاع لاحقا في 2017 الى تبادل اتهامات وقطيعة وحصار اقتصادي وتهديدات بالحرب!

تبدو الاسباب التي برّر بها حلفاء السعودية القطيعة والتوتر بين الجانبين غامضة، فلا المراقبون يعرفون ماهي مقررات مجلس التعاون التي خالفتها قطر، ولا قطر نفسها تدري عن تلك المقررات، أو على الأقل هكذا تدّعي.

فإذا كان خلاف السعودية مع قطر بسبب ما تقول وسائل اعلامها من قيام الاخيرة بدعم الارهاب، فرئيس الوزراء القطري السابق حمد بن جاسم، اعترف صراحة قبل عدة أعوام انه زار ملك السعودية عبد الله في وقته ونسق معه لدعم الجماعات الارهابية في سورية.

يعني ان الجانبين متورطان بدعم الارهاب والتدخل في شؤون الدول العربية والعمل على إضعافها وتدميرها، وهذا ما لم يعد خافيا على أحد، فإذا كان القطريون يدعمون داعش، فالسعوديون دعموا غيرهم من تنظيمات ارهابية.

ببساطة ان جميعهم غارقون حتى هاماتهم في دعم الفوضى والخراب في البلدان العربية، فعلامَ اختلفوا إذن؟ وهل أن الإدارة الامريكية التي أرغمت قادة دول الخليج على التطبيع مع الكيان الإسرائيلي وهو الى وقت قريب العدو الأول للعرب، عاجزة عن اقناعهم بالتصالح مع بعضهم؟!.

في رمشة عين واحدة من ايفانكا ترامب، حصدت الادارة الامريكية نحو 500 مليار دولار من السعودية و180 مليار من قطر، عدا عن دفع الاخيرة 8 مليارات لتوسيع قاعدة العديد الامريكية على أراضيها، وتناثرت ملايين أخرى من الدولارات على ايقاع رقصة العرضة التي اهتزّ فيها ترامب كتفا الى كتف جنب الملك سلمان.

إذن ومن باب أولى ستكون خزرة بعين واحدة أو بكلتا عيني ترامب، كافية لجعل خصوم الخليج يجلسون على مائدة الصلح دون عناء ومكابرة وتقلب عداوتهم المفترضة ودّاً ووئاما.

لاشك أن الادارة الامريكية لها الكلمة العليا على حلفائها العرب في الخليج، وهي تقودهم الى المناطق التي تريد دون أن يجرؤ أحدهم على المعارضة لإدراكهم حجم الضرر الذي تلحقه بهم أمريكا في حال خالفوا تعليماتها.

بل الأكثر من ذلك، أن الإدارة الامريكية تعزل من تشاء منهم وتولي الحكم من تشاء في مكالمة هاتفية، وهي ربهم من دون الله.

لهذا لا نستبعد أن الخلاف الخليجي كان كله عملية توزيع أدوار صبّت في صالح المشروع الأمريكي الصهيوني الهادف الى إضعاف المنطقة وتمهيد الطريق أمام تغلغل اسرائيل فيها.

فمن الغريب أن يستفيق ترامب قبل شهر من رحيله عن البيت الأبيض ليتذكر أن دولا خليجية حليفة لادارته متخاصمة منذ اربعة أعوام فيعمد الى مساعي الصلح بينها؟

أليس من المنطقي أن يقوم بهذه الوساطة قبل هذا التاريخ بعدة سنوات أو بُعيد وقوع الخلاف والخصام بين هذه الدول التي تحتضن كلها تقريبا قواعد أمريكية مهمة؟

نحن في زمن التمثيل السياسي، يكذب فيه الكل على الكل، وصارت الخدعة فيه سياسة وفن، وسنرى بعد أن رأينا الكثير من هذه الأفلام التي يكتبها سينارست الادارة الامريكية وينفذها ممثلون صغار في بقاع مختلفة من هذا العالم بإشراف مخرجي البيت الأبيض.

* كاتب عراقي

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق