الاصلاح السياسي عملية مرتبطة بفكرة بناء الدولة. ولا يمكن الحديث عن اصلاح سياسي، ولا يمكن المطالبة به عبر التظاهرات وغيرها، دون ان تتبلور في الذهن فكرة بناء الدولة. وهذه هي النقطة الاساسية التي اسجلها على الدعوات الكثيرة المطالبة بالاصلاح السياسي والصادرة من جهات متعددة. والنقطة هي ان هذه الدعوات لم تنطلق من فكرة لبناء الدولة، بمعنى ان مطلقي الدعوات واصحابها لا يملكون فكرة واضحة لبناء الدولة.

الاصلاح يستبطن امرين: اما تطوير ماهو موجود، او اصلاح ما فسد مما هو موجود، وفي الحالتين لابد من وجود "نقطة دالة" او "نسبة ثابتة" يقاس عليها الاصلاح، والا تحولت الدعوة الاصلاحية الى فوضى عبثية. والمجتمع العراقي مازال يفتقد الى هذا. باستثناء المرجع الديني الاعلى الامام السيستاني التي تكشف بياناته التي كانت تتلى ضمن الخطبة الثانية لصلاة الجمعة عن تصور لبناء دولة حضارية حديثة في العراق. وهي دولة تقوم على المواطنة الصالحة، والشرعية الشعبية، والقوانين العادلة، والانتخابات النزيهة، والمؤسسات الفاعلة. وهذه كلها، من بين امور اخرى، تشكل ركائز واسس ومعايير الدولة الحضارية الحديثة.

كانت تظاهرات الاول من تشرين لعام ٢٠١٩ فرصة تاريخية لدفع الدعوة الاصلاحية خطوة ملموسة الى امام. ومن هنا وصفت المرجعية في الاول من تشرين الثاني المتظاهرين بالاحبة، لانهم رفعوا راية الاصلاح، ونادوا بما كان ينبغي ان يتم قبل ذلك بسنوات طويلة، وتحديدا منذ تشكيل مجلس الحكم في تموز من عام ٢٠٠٣. وكانت فرصة عظيمة ان يكون "الاحبة المتظاهرون" عاملا اساسيا مساعدا على تحقيق الاصلاحات المطلوبة، لكن عوامل عديدة، منها عمليات الالتفاف وركوب الموجة والاختراقات والممارسات المنحرفة والشعارات الخاطئة، ادت الى اجهاض الدعوة الاصلاحية وافراغها من مضمونها السليم، الى ان انتهت الى ما انتهت اليه الان، من الفشل في تحقيق الاصلاح المنشود. وكان عامل الهدم الاساسي هو غياب التصور السليم لبناء الدولة، وعدم ارتباط التظاهرات عضويا بهذا التصور.

لكن فشل محاولة واحدة، بل عدة محاولات، ليس سببا كافيا للتخلي عن مشروع الاصلاح، ذلك ان هذا المشروع ضرورة وجودية، وليس فقط ضرورة سياسية. ضرورة وجودية لان بقاء العراق دولة مستقلة قادرة على التطور والتقدم يرتبط ارتباطا عضويا بتحقيق الاصلاح السياسي المنطلق من والمجسد لفكرة الدولة الحضارية الحديثة، كما اوضحتْ معاييرها المرجعية الدينية، وكما كتبَ عدد محترم من الاساتذة والمفكرين والكتاب المبدعين عن تفاصيلها، وكما هي متحققة بدرجات متفاوتة في اكثر من ٢٠ دولة في العالم الان.

ان التظاهر في ظرف معين انما هو وسيلة لتحريك عجلة الاصلاح، فان لم يتحقق ذلك في ذلك الظرف المعين، فهذا لا يعني التخلي عن مشروع الاصلاح، والعزوف عن السعي الى اصلاح الواقع الفاسد؛ انما يجب مواصلة العمل والدعوة بطرقٍ واساليبَ اخرى مبتكرة لا يفترض ان تعجز عن اكتشافها الاقليةُ المبدعةُ او الجماهيرُ الواعية. وهذا امر ممكن التحقق في نهاية المطاف.

انما المهم ان تنطلق الحركة الاصلاحية لا من مشاعر الغضب والرفض والاحتجاج فقط، وانما تنطلق من رؤية مستقبلية ناضجة ومتكاملة وعلمية وعملية يتبناها دعاة الاصلاح، المتظاهرون منهم وغير المتظاهرين... رؤية تقدم بديلا حضاريا حديثا للواقع المتخلف والبائس الذي تعيشه وتعاني منه الدولة العراقية بصيغتها الراهنة، هذا البديل الذي يختصر تفاصيله مشروعُ الدولة الحضارية الحديثة التي تستند الى المواطنة والديمقراطية والقانون والمؤسسات والعلم الحديث، وهذه هي نفسها معايير الاصلاح، الكفيلة بتقديم مركب حضاري قادر على تحقيق الهدف الذي يتطلع اليه كل مواطن وهو: وفرة الانتاج وعدالة التوزيع.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

10