أوضحت النتائج الأولية بناءً على الأصوات التي تم الإعلان عنها -حتى كتابة هذا المقال- في الانتخابات الرئاسية التي بدأت في الولايات المتحدة الأمريكية منذ الثالث من نوفمبر 2020، عن تقدم المرشح جو بايدن (Joe Biden) بحصوله على 290 صوتاً من أصوات المجمع الانتخابي مقابل 214 صوت للرئيس الحالي دونالد ترامب (Donald Trump).

لقد حصل جو بايدن على نسبة 50.8% من الأصوات بواقع 76.997.481 مليون صوت، فيما حصل دونالد ترامب على نسبة 47.5% من الأصوات بواقع 71.926.263 مليون صوت.

ويبدو أن هذا الفارق الكبير قد حسم النتيجة بفوز المرشح الديمقراطي جو بايدن، على أساس أنه يكفي للفوز في هذه الانتخابات حصول أحد المتنافسين على 270 صوتاً من أصوات المجمع الانتخابي، وأن نسبة الأصوات التي تم الإعلان عنها قد بلغت حوالي 99% في الولايات المتأرجحة: جورجيا، وكارولاينا الشمالية، وآيوا، وأريزونا، وأوهايو، وبنسلفانيا.

ووصف الرئيس الحالي دونالد ترامب بأن هذه الانتخابات قد شابها الكثير من التزوير وأنها قد سرقت منه، وهو مؤمن بفوزه وسيخوض معارك قانونية في عدة ولايات، ولديه ما يكفي من الأدلة على عدم نزاهة تلك الانتخابات، وأنه حذر مبكراً عن احتمال التزوير إذا ما تم الإدلاء بالأصوات عبر البريد الإلكتروني، وهو ما حصل بالفعل. وقد جاء في تغريدة للرئيس ترامب على صدر صفحته في تويتر9- نوفمبر (يجب أن ندقق في الأصوات، وبدأنا للتو للعد والتسجيل وعلمنا بشهادات بوجود تزوير في التصويت). وهذا الأمر دفعه الى وصف خصومه واتهامهم بقوله عبر تغريدة أخرى (نؤمن أن هؤلاء الأشخاص لصوص وأن مسؤولي المدن الكبرى فاسدون).

أن تصريحات دونالد ترامب هذه واتخاذه لفريق قانوني كبير برئاسة جولياني الذي عبر بتصريحاته مماثلة لما قاله ترامب، إضافة الى أعضاء بارزين في الحزب الجمهوري ومجلس الشيوخ، تنم في طياتها عن عدم رغبة الرئيس ترامب بتسليم السلطة بصورة سلسة، بحجة التزوير، ومن ثم اعتقاده بأنه هو الفائز في هذه الانتخابات.

تلك المؤشرات تعززها عناصر شخصية الرئيس دونالد ترامب التي تأبى الهزيمة وحب التمسك بالسلطة، وعبرت عنها ممارسات مختلفة له خلال الأربع سنوات الماضية لحكمه، إذ أنه كثيراً ما يتخذ مواقف فردية متسرعة تفاجئ حتى المقربين منه سواء من حلفاء دوليين أو شخصيات سياسية مقربة منه، فضلاً عما يحمله من رؤى و تصورات مغايرة عما دأبت عليه الممارسات الاعتيادية في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية محلياً و دولياً، وما أظهر من سياسة الى حد ما تبدو عنصرية أحيانا إزاء الأقليات والسود والمهاجرين، وولوجه في معارك كلامية ذات بعد شخصي داخل الولايات المتحدة وخارجها، وحتى داخل الحزب الجمهوري، مثلما جرى منه إزاء السيناتور الراحل جون مكين.

لا شك أن الانتخابات الأمريكية هذه قد كشفت عن انقساماً عمودياً وأفقياً حاداً داخل الولايات المتحدة، وصراعاً بين إرادتين إحداهما تقليدية وأخرى يمينية متطرفة عبرّ عنها بالظاهرة الترامبية التي رفعت شعار أمريكا أولاً كعنوان لاستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب، التي بدأ تطبيقها عملياً بعد وصوله الى السلطة منذ عام 2016.

لعل سقوط ترامب وعدم فوزه يعزى الى متغيرين، أولهما داخلي والآخر خارجي، ففي البعد الأول أدت سياساته التي عبر عنها في ممارساته وأقواله الى تعميق الشرخ في النسيج المجتمعي الأمريكي، إذ كانت مواقفه وأفعاله قد أساءت لشرائح كثيرة متنوعة في البنية الاجتماعية الأمريكية، كموقفه من المهاجرين والأمريكيين السود من أصل أفريقي، وعزز ذلك موقفه الداعم أولاً للشرطة في حادثة مقتل المواطن الأمريكي جون فلويد على يد شرطي أمريكي أبيض، ومحاولة إنزال قوات عسكرية في المدن الأمريكية التي شهدت أعمال شغب واحتجاجات واسعة وما رافقها من أعمال نهب و حرق، كرد فعل على موقف الحكومة من مقتل فلويد، خاصة بعد وصف ترامب لهم باللصوص وغيرها من الأوصاف التي عززت من الغليان في ردود أفعال مضادة له.

فضلاً عن موقفه المتهاون إزاء تفشي جائحة كوفيد- 19 والتي أودت بحياة عشرات الآلاف من الأمريكيين، وظهور الرئيس دونالد ترامب بموقف الساخر أحيانا كقوله: بحقن المواطنين بمواد التعقيم كمضاد للجائحة، أو محاولة التهرب من مسؤوليته بتدويل الأزمة ووصفها بالفايروس الصيني أو فايروس ووهان، وعدم اتخاذ أي إجراءات فعالة تحد من انتشاء الجائحة وحماية أرواح الأمريكيين، أو القدرة حتى في توفير كمامات أو أجهزة تنفس صناعية، فضلاً عن العمل الجاد في إيجاد مضاد حيوي أو مصل يقلل من أو يمنع من تفشي الفايروس القاتل.

كما فشل في مسعاه لتحقيق الانتعاش الاقتصادي الموعود وتحقيق قفزات نوعية في الاقتصاد الأمريكي ورفع دخل المواطن والقضاء على البطالة بإيجاد فرص عمل للأمريكيين وتخفيض الضرائب، إذ أطاحت الجائحة بكل تلك الوعود أو ما تحقق نسبياً منها، بل ازدادت الأوضاع الاقتصادية سوءً وشهدت الولايات المتحدة عجزاً وانكماشاً اقتصادياً وصفه البعض انه يشبه الكساد الكبير الذي ضرب الولايات المتحدة والعالم عام 1929. كما نجح منافسه الرئاسي جو بايدن في استثمار هذا الإخفاقات في كسب أصوات الأقليات وعودة الروح الأمريكية كما عبر عنها في كلمته أثناء إعلان فوزه، واختياره لنائبة سوداء من أصول أفريقية – أسيوية (هندية) كمالا هارس، والتركيز على فشل ترامب في مواجهة الجائحة وقدرته في إحراج الرئيس دونالد ترامب في المناظرتين اللتين جرت بينهما قبل الانتخابات.

أما على الصعيد الخارجي فقد جلبت سياسته مزيداً من التوجس والحذر، الخوف ولترقب من بعض الحلفاء الاستراتيجيين للولايات المتحدة، كالدول الأوربية بعد تصريح ترامب أن على أوربا دفع ثمن حمايتها، وخفض من تواجد القوات الأمريكية من مناطق فيها، وإجبار بعضهم على دفع المليارات من الدولارات، مما أدى إلى امتعاض قسم منها، ومناشدتها لنظيراتها الأوربية لإنشاء حلف عسكري أوربي لحماية أوربا بعيداً عن الولايات المتحدة، كما صرح الرئيس الفرنسي ماكرون، أن حلف شمال الأطلسي. الذي تقوده الولايات المتحدة بات محتضر سريرياً.

إن هذه السياسات وسواها خلقت مزيداً من العقبات للولايات المتحدة في علاقاتها الخارجية، وقد عبرت أهم الدول الأوربية سريعاً، كألمانيا وفرنسا ودول جوار أمريكية ككندا عن تهانيها للمرشح الفائز جوزيف بايدن بعد إعلان فوزه بصورة غير رسمية ونهائية مباشرة، فضلاً عن سياسته العدائية لبعض الدول الهامة في الشرق الأوسط، كإيران ومحاولة الدخول معها في مواجهة عسكرية بعد اغتيال الجنرال قاسم سليماني، بأمر مباشر من الرئيس دونالد ترامب، ما قد يهدد منطقة الشرق الأوسط بحرب واسعة لها تداعيات خطيرة على سلامتها وأمنها، كذلك الدعم اللامحدود للكيان الصهيوني على حساب حقوق الشعوب العربية عموماً والشعب الفلسطيني خصوصاً، إذ تمثل ذلك بنقل السفارة الأمريكية الى القدس، الاعتراف بهضبة الجولان السورية للكيان الصهيوني، وغلق مقرات منظمة التحرير الفلسطينية في الولايات المتحدة، وإجبار بعض حكام الدول العربية على التطبيع مع الكيان الصهيوني، كالإمارات العربية المتحدة، والبحرين، والسودان، وكان يعد بمزيد من التطبيع، فضلاً عن تبنيه ودعمه لما يسمى (بصفقة القرن).

هذه السياسات بمجملها خلقت روحاً عدائية واسعة في منطقة الشرق الأوسط إزاء الولايات المتحدة، وعدها شريكاً غير نزيه أو وسيط غير موثوق به في وساطتها وتدخلاتها تحت أي حجة أو ذريعة كانت. كما أن سياسات الولايات المتحدة إزاء بعض المنظمات الدولية الهامة قد أضرت كثيرا بجهود التعاون الدولي، إذ هددت الولايات المتحدة بالانسحاب من منظمة التجارة العالمية، وانسحابها من اتفاقية باريس للمناخ، وإيقافها الدعم عن منظمة الصحة العالمية، واتهامها بالانحياز إلى الصين بشأن ظهور وانتشار جائحة كوفيد-19، كما أوغلت إجحافاً في سياسات وحروب اقتصادية إزاء الصين، وما تمخض عنها من تواجد مكثف للقوات البحرية الأمريكية في بحر الصين، والتي كانت تنذر بوقوع احتكاك عسكري بين القوات العسكرية البحرية للطرفين في أية لحظة، وتحت أية ذريعة أو مبرر كان، قد يعرض الأمن والسلم الدوليين للخطر الجسيم، ويؤدي إلى اختلال في موازين النظام الدولي القائم برمته.

ولا شك في أن هنالك ثمة صراع حاد بين إرادتين سياسيتين في الولايات المتحدة تسعى الأولى، بقيادة المرشح الرئاسي الفائز جو بايدن الى إعادة الأمور الى نصابها وعودة الولايات المتحدة الى تفاعلات المجتمع الدولي، كما عبر عنها بايدن في مؤتمره الصحفي في 10 نوفمبر وتحقيق الانسجام المجتمعي في الداخل الأمريكي، وردم فجوة الانقسام. وثانية، بقيادة دونالد ترامب تسعى جاهدة لإتمام مشروعها المعبر عنه بأمريكا أولاً، ومزيداً من السياسات المتطرفة، بعد أن عجز ترامب بالفوز برئاسة ثانية، ولجوئه الى القضاء، والذي لا يبدو أنه سيظفر بما يرغب بحكم القواعد الانتخابية المختلفة لكل ولاية في إعادة العد والفرز، إلاّ في حال وجود نسب كبيرة من الاختلاف والتباين في عدد الأصوات، إذ تحكم كثيرة منها إعادة العد والفرز إذا ما كانت النسبة اقل من 5% وبعضها اقل من 1% وهذا ما لم يتحقق بمجملها، ومن ثم في حالة لجوئه الى المحاكم الفدرالية فلا يتوقع تحقيقه لأي أمر قضائي يصب لصالحه. وعليه فإن اللجوء الى هذه الوسائل هي مزيد من كسب الوقت وإرضاء لقاعدته الجماهيرية، كما أنه يدرك بحكم فريقه القانوني الكبير الذي يفهم ويعي ذلك. السؤال المركزي من الذي قد يلجأ إليه ترامب فيما تبقى من رئاسته التي ستنتهي بحلول 20 يناير ولماذا؟

بعد أن تبين سلوك الرئيس الأمريكي ترامب وما يحمله من مشروع سياسي، وتركيبته النفسية والعقائدية، توحي بأنه غير مقتنع بتسليم السلطة، وعليه قد يدفع به هذا المعتقد والشعور، إلى الإقدام على عمل ما ليربك خصمه إذا ما انتزعت منه السلطة وإقحامه في تتمة مشروعه السياسي أو جعله حلقة فيه، والاحتمال الأقوى لغرض بقاءه في السلطة لأطول فترة ما يمكنه ذلك. وقد تبدو لنا مؤشرات حيال ذلك، فإقالة وزير الدفاع مارك أسبر، وتعيين مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب كريستوفر ميلر وزيراً للدفاع بالوكالة، وتصريح أسبر على أنه كان لا يقول نعم دائماً للرئيس ترامب، وإن ترامب قد أتى بمن يقول له نعم دائماً، مؤشر هام على ما طرحناه.

وثمة مؤشر آخر، هو عدم قبول دونالد ترامب على اطلاع المرشح الفائز جو بايدن على الملفات السرية، وعدم قبوله بفريق جو بايدن الإداري في ممارسة العمل مع فريقه (ترامب) للتمرن والاطلاع على طبيعة العمل ومهامه الأساسية، يضاف الى ذلك، إقدام ترامب بالتزامن مع إقالة أسبر على فرض عقوبات من قبل وزارة الخزانة الأمريكية على 6 أشخاص و6 كيانات مرتبطة بإيران.

قد يرى البعض إن قرار الدخول في حرب يعود الى الكونجرس وفق ما نص عليه الدستور الأمريكي. الجواب على ذلك هو بالإيجاب، بيد أن من السوابق التاريخية أيضاً ما توحي بشيء آخر، فقد أقدم الرئيس فرانكلين روزفلت على إدخال الولايات المتحدة الأمريكية الحرب العالمية الثانية بعد مهاجمة اليابان لميناء بيرل هاربر دون الرجوع للكونجرس، كما إن ترامب حين أوعز بقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني، كان من المحتمل أن يقود الى حرب مباشرة مع ايران، فضلاً عن أن القانون أعطى الرئيس الأمريكي صلاحية اتخاذ ما يلزم إزاء ما يراه يهدد أمن البلاد و مصالحها وسلامة أمنها القومي، وهو قانون فيه من المطاطية ما يجعل ترامب يخلق من الذرائع و الحجج الكثيرة لتوظيفها، خاصة إزاء إيران.

ونخلص مما تقدم، ما يأتي:

1- يصعب على الرئيس دونالد ترامب التسليم السلس والسلمي للسلطة بحكم عوامل نفسية وعقائدية مسيطرة على سلوكه، وتخوفه من ملاحقات قضائية منها ما يخص الضرائب، مما قد يدفعه لفتح جبهة حرب إزاء دولة ما، ولربما تكون إيران المرشح الأول.

2- الولايات المتحدة في عهد ترامب وما بعده ليست هي ما قبله، وليس من السهل رأب الصدع الذي خلقه في بنيتها الداخلية وعلاقتها الخارجية، وقد تكون خطى تراجعها على الصعيد السياسي والاقتصادي العالمي تسير بنحو أسرع، قد تهدد بتفكيك الاتحاد أو تشعل حروباً بين وحداته السياسية أو حروباً أهلية داخل تلك الوحدات.

3- على الدول العربية قراءة المشهد القادم بدرجة عالية من العقلانية الواقعية، واتخاذ القرارات الحاسمة بما يضمن أمنها وسلامتها، وعلى الدول المُطبّعة مع الكيان الصهيوني أن تسرع في التراجع عما أقدمت عليه، فهي أول الخاسرين في أية مواجهة عسكرية محتملة قادمة.

4- على الكيانات والأحزاب السياسية وصناع القرار في العراق رسم سياسة عامة تأخذ بنظر الاعتبار التحولات السياسية الدولية والإقليمية القادمة، وفتح مشاريع اقتصادية استثمارية واسعة، وتمكين الشباب والأخذ بمتطلباتهم التي عبروا عنها في تظاهراتهم السلمية ابتداءً من تشرين عام 2019، والتي لا زالت مستمرة، وخلق فرص عمل سريعة نافعة وإعادة التوازن والانسجام المجتمعي في ظل ظروف عالمية ومحلية صعبة للغاية، فحفظ أمن وسلامة ووحدة العراق مسؤولية وطنية، وأخلاقية، ودينية على الجميع أن ينهض بها ويسعى إليها.

* تخصص: علاقات دولية ودبلوماسية

اضف تعليق