ايام قليلة فصلت لقاء قناة "الجزيرة" بزعيم "جبهة النصرة" التابع لتنظيم "القاعدة"، عن مقتل العشرات من "الدروز" على يد عناصر تابعة للجبهة في قرية "قلب لوزة" بمحافظة حلب، شمال غرب سوريا... والتناقض كان واضحا بين القول الاول والفعل الاخير... مثلما كان التناقض اكثر وضوحا بين خطاب التسويق الاعلامي والمضمون الحقيقي الذي ترجم على ارض الواقع من قبل المسلحين.

المعادلة في سوريا كانت ولا زالت، معقدة للغاية، المشهد العام لا يعطي سوى الاشارات المتشائمة لمستقبل البلاد... والتي لم يتوقعها حتى أكثر المشككين ببقاء الاسد لفترة طويلة في سدة الرئاسة، اما الحلفاء والمتحالفين... فقد خططوا سلفا لمستقبل سوريا لما بعد نظام "الاسد"، قبل ان يستفيقوا على حجم "الدمار السياسي" الذي خلفته ضريبة تغيير النظام بأي ثمن، وما بعد النظام... حتى قبل التفكير في البديل ومدى نجاحه في قلب الاوضاع المعكوسة.

في سوريا اليوم كل شيء غامض ويحتاج الى اعادة التفكير مرارا وتكرارا... قبل الشروع في خضم احداثها، او إطلاق التكهنات... لكن المعروف منها... ان واقع الحال فرض مجموعة من الموازين التي يمكن ان يتغير بعضها مستقبلا... بحسب العوامل الخارجية التي باتت تتحكم بالمطلق في الاوضاع الداخلية التي تعيشها البلاد وما يحيطها حاليا، ومن ابرز هذه الموازين:

- وجود ثلاث قوى رئيسية تتنافس فيما بينها على كسب (او الاحتفاظ) الاراضي لتوسيع نفوذها ورجحان كفة الميزان لصالحها... وهذه القوى تشمل النظام وتنظيم "داعش"، اضافة الى "جبهة النصرة" وخليط الجماعات الاسلامية المتحالفة معها.

- هناك جهة سياسية واحدة ما زلت تملك نوعا من القدرة على التفاوض (النظام السوري)، بغض النظر عن شرعية النظام من عدمه، اما المعارضة التي روج لها الغرب ودعمتها الولايات المتحدة الامريكية فهي في أضعف حالاتها، ويكاد يكون نشاطها السياسي ميتا، في حين ان الغرب أعلن انه لن يتفاوض مع الجماعات المتطرفة، وأدرج بعضها ضمن قوائم الارهاب.

- الاطراف التي تقف خلف النظام السوري او الجماعات المسلحة الاخرى، هي المحرك الرئيس للازمة، وعدم اتفاقها على "حل سياسي" يثبت فشل جميع نسخ "جنيف" السابقة، وربما اللاحقة ايضا، كما ان كسر التوازنات الميدانية بين الاطراف المتصارعة قد يعتبر دليل اخر على اصرار تلك "الاطراف الخارجية" على تحقيق المكاسب ضد الاطراف الاخرى.

"جبهة النصرة" التي حاول البعض الترويج لها كواجهة مقبولة للملمة شتات القوى المسلحة المبعثرة، وتوحيدها امام هدف مشترك يتمثل في اسقاط نظام "الاسد"، لم تكن الخيار الجديد الناجح، ولن تكون كذلك في المستقبل، سيما بعد ان وقع المتوقع بقتل دروز سوريا نتيجة "غضب" احد عناصر الجبهة التكفيريين، ليفتح النار على العشرات من المدنيين، وبحسب الرواية التي اكدها سكان كانوا قريبين من الحداث، ان من بين القتلى اطفال وكبار في السن، وهو امر متوقع لان طبيعة الفكر التكفيري، ومن يمارس العمل فيه (حتى على مستوى القيادات العليا) لا يمكن ان يتناغم، باي حال من الاحول، مع طبيعة العمل السياسي او حكم الاقليات او حتى الاعتراف بالقيم التي تخالف أفكاره وتوجهاته المتطرفة.

الكثير من المراقبين والمتابعين للشأن السوري، طرحوا عددا من الخيارات والنصائح لاحتواء الازمة السورية التي خرجت عن نطاق السيطرة، وامتدت الى دول الجوار، كما ان المجتمع الدولي، وبعد مرور أكثر من أربع سنوات على الحرب الطاحنة في شمال وجنوب وشرق سوريا، ما زال منقسما على نفسه، بعد دوامة "جنيف" والبحث عن انصاف الحلول.

ما هي الخيارات المتاحة لتحريك الازمة السورية نحو الحل السياسي؟

1. جمع الدول "الداعمة" لأطراف الصراع للحوار حول "تسوية" يربح فيها الجميع... بعد تقديم التنازلات... تحت اشراف دولي او عدد من الدول الكبرى.

2. تقسيم "التسوية" الى مراحل، الاهم منها احتواء خطر تمدد التنظيمات المتطرفة (النصرة، داعش...الخ) بدلا من دعمها او تقديمها كواجهة "معتدلة"، بمعنى ان يتم الاتفاق على تقسم العمل على مراحل، يكون فيها التحول السياسي ومكافحة التطرف اهم بنوده.

3. اهم المشاكل التي عانت منها سوريا، اضافة الى العراق، هو عدم وجود استراتيجية واضحة لمكافحة الارهاب والتطرف، ليس من قبل الولايات المتحدة الامريكية، فحسب، من وحتى من قبل المجتمع الدولي، وهو ما فاقم من مشكلة الارهاب على مستوى العالم، لذا فان اي تسوية سياسية لا تقوم على اساس استراتيجية واضحة المعالم للقضاء على الارهاب، يتبناها المجتمع الدولي، قد لا تؤتي ثمارها بصورة صحيحة.

4. الازمة السورية هي ازمة سياسية بالمقام الاول، والتعامل معها على اساس طائفي او ديني او قومي، هو قرار خاطئ، ولن يكون قرارا واقعيا، وربما سيساهم في تعقيد الامور، لذا فالتعامل مع القضية السورية على اساس المصالح الحيوية للدول المعنية بالأمر سيكون الاقرب للواقع.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3