في سبيل مكافحة تنظيم "داعش" المتطرف، ومنع سيطرته على المزيد من الأراضي في العراق، سخرت الحكومة إمكاناتها المالية والعسكرية والسياسية كافة، لتجاوز مرحلة جديدة من حربه الطويلة ضد الإرهاب، التي استمرت (وما زالت) لثلاثة عشر عاما من دون توقف، وتمثلت (هذه المرحلة) في سيطرة تنظيم "داعش" المتطرف على المدن والتمركز فيها، وإخضاع سكان تلك المناطق إلى احكامهم وقوانينهم الإسلامية التي تعتمد على تفسيرهم الخاص للشريعة، في مسعى حثيث يمارسه قادة وعناصر التنظيم في العراق وسوريا وشمال إفريقيا لإقامة "دولة الخلافة" التي يطمح إليها منذ عام 2013، بعد أن توسع في سوريا، وأقام له موطئ قدم في "الرقة" و"دير الزور"، والزحف نحو الحدود العراقية- السورية بمحاذاة نهر الفرات ليدخل مناطق غرب العراق، جاعلا من مدينة "الفلوجة" المقر الرئيسي لتمركز عناصره المسلحة، ومنطلق اغلب هجماته الانتحارية على عموم المدن العراقية.

وما تلا ذلك، من تعزيز نفوذه في العراق، بعد هجوم واسع قام به مسلحو التنظيم في 9/حزيران من العام 2014، وبإسناد من خلايا التنظيم "النائمة" في غرب وشمال وشرق العراق، إضافة إلى المساعدة التي قدمتها حركات وتنظيمات متطرفة أخرى (مثل حركة "النقشبندية" الدينية التي ساعده التنظيم في الاستيلاء على مدينة الموصل، لكن تنظيم "داعش" سرعان ما انقلب عليهم مثلما فعل مع "جبهة النصرة"، فرع القاعدة، في سوريا).

وشكل سقوط مدينة "الموصل" بالكامل، في تلك اللحظة، بيد التنظيم، علامة فارقة في حرب العراق ضد الإرهاب، ربما كان أبرزها، كشف مثالب وأخطاء ما كان معتمد من إلية استمرت لسنوات دون تغيير أو تحديث، لمواجهة عموم التنظيمات المتطرفة (تنظيم القاعدة، تنظيم داعش، الحركة النقشبندية، جيش المجاهدين...الخ) في العراق، فضلا عن إحراج المجتمع الدولي الغائب عن إي جهد يذكر (قبل هذه الفترة)، في تقديم المساعدة ضد الإرهاب العابر للحدود، سيما وان انضمام الآلاف من المتعاطفين مع التنظيم من مواطني ورعايا (100) دولة، بما فيها دول أوربا والولايات المتحدة الأمريكية واستراليا وإفريقيا واسيا، والعديد من التفجيرات والعمليات الانتحارية التي طالت عدد من تلك الدول، كان كفيلا بإعلان النفير العام لمواجهة خطر تمدد التنظيم إليها، وان كانت تلك التحركات لم ترتقي بعد إلى مستوى الطموح.

بعد سقوط تلك المدينة، لم تستطع الحكومة العراقية أو "التحالف الدولي"، المشكل على خلفية سقوطها، مع أجزاء أخرى من محافظات ديالى وكركوك والانبار وصلاح الدين، من احتواء الخطر الإرهابي الذي هدد بسقوط العاصمة العراقية "بغداد" والتقدم نحو وسط وجنوب العراق (الغني بالنفط)، من دون الاستعانة بالقوات الشعبية "الحشد الشعبي"، التي تشكلت بعد فتوى المرجعية الدينية في مدينة النجف، والتي حدثت للدفاع عن مدن العراق ومنع سيطرتهم على المزيد منها.

بعد عام من سقوط الموصل، سقطت محافظة الانبار، بعد أشهر من الكر والفر بين "داعش" والقوات الأمنية، سقوط أعاد إلى الأذهان ما جرى للموصل قبل سقوطها، وربما سوف يعطي انطباعا لما قد يحدث عند بدأ إعلان "عملية تحرير نينوى"، أو مقدمة للكيفية التي سيتم فيها إدارة عملية التحرير وطبيعة القوات المشاركة، وما إلى ذلك من التفاصيل السياسية التي غالبا ما تكون المعرقل الأول أمام تحقيق المزيد من الانتصارات وتجنب إي انتكاسة أمنية.

وكما حدث من قبل في حملة "تكريت"، وما رافقها من جدل سياسي (محلي ودولي)، وطائفي أوقفها عن تحقيق أهدافها لعدة أسابيع، قبل أن تعاود نشاطها بتوافقات خاصة، حدث، أيضا، نفس اللغط خلال فترة استعداد الحكومة لتحشيد طاقاتها نحو تحرير مدينة "الرمادي" مركز محافظة الانبار، بعد إثارة الخلاف حول ضرورة مشاركة قوات "الحشد الشعبي"، وتحديدا الفصائل الشيعية المقاتلة إلى جانب القوات الحكومية، وقد يحدث نفس الجدل عندما تعقد الحكومة العراقية العزم على إطلاق حملة الموصل بصورة رسمية، بالرغم من مرور عام كامل على سقوطها بيد تنظيم "داعش"، إذ ما زالت جملة من العوامل تعرقل الجهود المبذولة في حسم ملف الموصل، مع الأخذ بالاعتبار إن عامل الزمن ليس في صالح العراق:

- انعدام الثقة بين الإطراف السياسية، ولد نوعا من فقدان الشراكة الحقيقية بين مكونات مهمة، ستكون لها مساهمة حيوية في الإسراع بتحرير المدينة.

- ربما جرى استغلال العامل "الطائفي" بصورة مباشرة في التأثير على سير ونتائج جميع العمليات التي سبقت تحرير الموصل، وبالأخص في محافظة صلاح الدين والانبار، وسيعمل نفس هذا العامل على إبطاء الجهود المبذولة لعملية الموصل.

- العامل الخارجي له إثر مباشر أيضا في التحكم بعمليات تحرير الانبار، وسيكون له تأثير اكبر عند الاقتراب من مدينة الموصل، الانسجام أو التنافر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وتركيا، سيكون له اثر واضح في سير العملية.

- حكومة إقليم كردستان وقوات "البشمركة" ستدخل كعامل إضافي قد يسبب المزيد من التوتر، سيما وإنها لا تأتمر بأوامر الحكومة المركزية أو وزارة الدفاع، إلا بصورة شكلية، والخلاف سيجري بصورة مباشرة حول الأراضي التي سيتم تحريرها، وربما الخوف من بقاء القوات التي ستساهم في تحرير الموصل، والتي قد تشكل مصدر قلق لحكومة الإقليم.

ربما يكون أفضل الحلول لتجنب المشاكل التي قد تعين تقدم القوات الأمنية المساهمة في عملية الموصل، هو التفاهم مقدما على نقاط الخلاف لمنع التصادم لاحقا، الحوار والتفاهم حول تقاسم العمليات وتوزيع المهام وتطين جميع الاطراف برسم السيناريو السياسي والعسكري والديمغرافي اللاحق للعملية، سيكون بمثابة الخطوة الأولى باتجاه دخول مدينة الموصل، وبخلاف ذلك سنشهد المزيد من الصراعات السياسية وحسابات المصلحة، التي ستعقد المشهد بدلا من إصلاحه.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1