هكذا أفهم الامور‮‬،‮ ‬ولكل رأيه‮‬،‮ ‬ومجال السياسة‮ ‬يحتمل التأويلات‮‬،‮ ‬وما‮ ‬يُقال‮ ‬يأتي‮ ‬من باب التوقعات او الاحتمالات‮،‮ ‬وكنا سمعنا كما هائلا من التحليلات على مدى عقدين‮ ،‮ ‬لكن الامور سارت بغير الاتجاهات التي‮ ‬ذهبت اليها تلك التحليلات‮‬،‮ ‬وقد‮ ‬يندرج ما أقوله ضمن الذي‮ ‬قيل‮‬،‮ ‬فالحوادث التي‮ ‬تشهدها المنطقة والعراق جسام‮‬،‮ ‬ومواقف الأطراف المحلية منها تتبدل‮‬،‮ ‬حتى تصل في‮ ‬بعضها الى عكس ثوابتها ومنطلقاتها بمن فيهم العقائديون‮،‮ ‬ومما قيل‮ ‬يلامس سطح القضايا وليس أعماقها‮،‮ ‬وقد لا‮ ‬يكون ذلك جهلا بها‮‬،‮ ‬بل تحسبا من أطرافها‮‬،‮ ‬فبعضها ان لم‮ ‬يكن كثيرها انفعالية الطباع‮‬،‮ ‬قصيرة النظر‮‬،‮ ‬وبانفعالية‮ ‬غير المتحسب تتخذ المواقف‮‬،‮ ‬وتترجمها بقساوة بالغة الى أفعال‮ ،‮ ‬بحيث ترعب الذين‮ ‬يريدون قول الحقيقة‮،‮ ‬فيتجنبوها‮.‮

‬مع انهم‮ ‬يريدون بها التبصير والمساعدة على اتخاذ قرارات رشيدة‮،‮ ‬والاسهام بما‮ ‬يبعد البلاد عن الوقوع في‮ ‬مستنقعات جديدة‮،‮ ‬وكأن الذي‮ ‬وقعنا فيه لا‮ ‬يبصروه‮‬،‮ ‬والمآسي‮ ‬التي‮ ‬تجرعها العراقيون على مدى عقود‮ ‬غير كافية‮،‮ ‬ومع هذه التجربة الثرية بالفشل السياسي‮‬،‮ ‬يرون ان النهج الذي‮ ‬يسيرون عليه صحيحا وغيره خطأ فادحا‮،‮ ‬ولابد أن‮ ‬ينال من‮ ‬يتبناه عقابا لم‮ ‬يره من قبل‮‬،‮ ‬فيندر أن تكون المطالب او المواقف او القرارات او الأفعال موضوعية او محسوبة‮‬،‮ ‬فعلى سبيل المثال‮: ‬اللاعبون الدوليون في‮ ‬ملعبنا‮ ‬ينظرون للعراق كموضع متقدم سواء للدفاع كما هو حال ايران او للهجوم كما هو حال أمريكا‮.‮

‬فتدمير القدرات الايرانية‮ ‬يُعد من الأولويات في‮ ‬الاستراتيجية الامريكية التي‮ ‬لم‮ ‬يحن وقتها بعد‬،‮ ‬وبشكل أدق قل الاسرائيلية‮‬،‮ ‬فلا‮ ‬يُراد لأي‮ ‬قوة عربية او اسلامية ان تشكل تهديدا لاسرائيل‮،‮ ‬حتى تلك التي‮ ‬ترتبط معها بعلاقات متينة من تحت الطاولة او من فوقها‮ ‬،‮ ‬ذلك انهم‮ ‬يتحسبون لكل الاحتمالات‮ ‬،‮ ‬فأصدقاء اليوم قد‮ ‬يتغيرون في‮ ‬الغد‮. ‬

الايرانيون‮ ‬يدركون النوايا الامريكية فيدفعون باتجاه اخراج قواتها من العراق بوصفها تهديدا مباشرا لها‮،‮ ‬ويأتي‮ ‬الدفع بالضغط على الأطراف العراقية التي‮ ‬يرتبطون معها عقائديا او‮ ‬غيره من الارتباطات‮ ،‮ ‬والامريكان‮ ‬يطلبون من حكومتنا وكذلك الاطراف الموالية لها تفكيك الحشد الشعبي‮ ‬والقضاء على الجماعات الشيعية المسلحة‮،‮ ‬بوصفها أجنحة موالية لطهران‮ ‬يمكنها عرقلة مشروعهم المعادي‮ ‬لايران‮.

‬ومن باب الافتراض علينا أن نتخيل ما الذي‮ ‬يتوقع حدوثه فيما لو طلبت الحكومة من أمريكا سحب قواتها‮،‮ ‬كيف سيكون وضعنا الاقتصادي‮‬،‮ ‬وما هي‮ ‬طبيعة الاجراءات التي‮ ‬ستتخذها أمريكا ضد العراق‮،‮ ‬وكيف سنواجهها؟،‮ ‬وكذلك الأمر لو قامت الحكومة بحل الحشد ومواجهة الجماعات الشيعية المسلحة‮،‮ ‬وكأنها تدفعنا لحرب أهلية‮‬،‮ ‬وكيف سيكون الموقف من التنظيمات الارهابية التي‮ ‬تحركها بحسب الحاجة أطراف دولية معروفة؟‮ فلا أسهل من المطالب ولا أعقد من معرفة تداعياتها‮.

‬وليس من المحكمة القول‮ (‬ليكن ما‮ ‬يكن‮)،‮ ‬بل لابد أن نسأل‮ ( ‬وماذا بعد ذلك ؟‮). ‬أن تنفيذ أي‮ ‬من المطلبين‮ (‬وهما جوهر المشكلة العراقية‮) ‬له انعكاسات سلبية جدا على واقع ومستقبل العراق المجهول بالأصل‮‬،‮ ‬هكذا وجدت نفسها الحكومات المتعاقبة بأن أي‮ ‬خيار‮ ‬يهدف الى التوازن بين هاتين القوتين‮ ‬يصطدم برفضهما الشديد‮‬،‮ ‬ولم‮ ‬يبق أمام تلك الحكومات سوى المراوغة من دون مكاشفة الرأي‮ ‬العام وتسمية الأشياء بأسمائها‮.

‬وبما ان مطالب الأطراف الدولية ثابتة ولا تتغير‮‬،‮ ‬لذا على الاطراف المحلية ادراك موقف الأزمة والتعامل مع الحكومة بمرونة كافية‮،‮ ‬وعدم مطالبتها بما هو مستحيل‮،‮ ‬بالمقابل على الحكومة التفكير ببدائل‮ ‬غير تقليدية تحرر العراق من هذه الضغوط بأقل الخسائر‮‬،‮ ‬ومن‮ ‬غير المتوقع أن نرى مثل هذه البدائل سواء في‮ ‬التعامل مع الاطراف المسلحة صاحبة النفوذ على الارض‮،‮ ‬او مع الامريكان الذين‮ ‬يستحوذون على أغلب عناصر المساومة‮،‮ ‬لذا سيبقى الحال على ما هو عليه ان لم‮ ‬يحدث متغير كبير‮ ‬يقلب هذه المعادلات‮.‬

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق