عندما كان الدكتور "ابراهيم الجعفري"، رئيسا للتحالف الوطني العراقي (وهو اكبر تحالف سياسي يضم شيعة العراق في البرلمان العراقي)، بادر لإيصال عدة رسائل ايجابية للملكة العربية السعودية لتنقية الاجواء المشحونة بين البلدين، وحثهم على التواصل الدبلوماسي الطبيعي، بعد قطيعة استمرت لأكثر من عقدين، (بعد احداث عام 1991 وما تلاها)، وكانت زيارته للرياض في عام 2014 للتعزية بوفاة احد الامراء السعوديين، والتي التقى خلالها "سلمان بن عبد العزيز"، (وكان حينها ولي للعهد ونائب لرئيس الوزراء ووزير للدفاع السعودي)، وما تبعها من زيارات وتبادل للرسائل، اثر في التطورات الدبلوماسية الاخيرة بين البلدين، سيما وان الجعفري اصبح وزيرا لخارجية العراق، فيما توج "سلمان" ملكا للسعودية، كما ان التحفظات التي سجلتها السعودية في زمن رئيس الوزراء العراقي السابق "نوري المالكي" قد انتفت بتولي السيد "العبادي" رئاسة الوزراء حاليا... لذا فليس من المستغرب ان يتم الدفع باتجاه تحسين العلاقات بين العراق والسعودية... لكن المستغرب ما اثارته الضجة الاعلامية والسياسية الكبيرة التي استشكلت على شخص السفير المعين من قبل السعودية نظرا لخلفيته العسكرية والامنية التي اثارت الريبة والفضول لدى الكثيرين، حتى قبل ان يبدأ مهامه بصورة رسمية في العراق.

ان اكثر المتفائلين بعد خطوة فتح السفارة السعودية في العراق وتبادل السفراء بين البلدين واحياء الدبلوماسية الميتة منذ عقود، لم يتوقع ان يكون الطريق سالكا، ولم ينظر الى العلاقة العراقية- السعودية على انها علاقة مثالية، او يمكن للطرفين ان يتعاملا بثقة كاملة او ان يتفقا على مجمل المسائل الخلافية بينها.

وحتى لا نقع في مطب المواقف المتصلبة او المتراخية يمكن ان نبحث عن الحل البديل لهذه الخطوة... ومع ان الجميع ايد التواصل الدبلوماسي مع المملكة ولم ينكر الامر جملة وتفصيلا... طالبت جهات سياسية بالتريث او استبدال السفير السعودي المعين "ثامر السبهان"، لاعتبارات امنية او مهنية... كونه لا يمتلك المهارة او الخبرة الكافية لإدارة السفارة او التعامل مع العلاقة المتوترة اصلا بين البلدين، وربما لاعتبارات اخرى قد لا نعلم بها... لكن وزير الخارجية العراقي وافق على السفير المرشح... كما سيوقع الرئيس العراقي اوراق اعتماده قريبا.

قبل ان نستبق الاحداث ونطلق الاحكام المسبقة، وحتى لا نشرك العواطف بالعمل السياسي او المصالح العليا للبلد، ينبغي ان نعيد التفكير في طريقة تعاطينا مع ما يجري من احداث داخل العراق وخارجه وطريقة التفاعل فيما بينهما في بلد يحارب الارهاب منذ 13 سنة... تعرض خلالها للكثير من الازمات ومر بتجارب وازمات قاسية للغاية... وحتى يستطيع اكمال المشوار والصمود الى نهاية الخط... مازال امامه الكثير من العمل والنشاط لتحقيق تطلعاته... ولعل دفع الدبلوماسية العراقية الى الامام، بعد ركود مرير طوال الحكومات السابقة، تعتبر من اهم تلك الانشطة والعمل السياسي، بغض النظر عن التفاصيل الاخرى التي لن تبقى على حالها اذا تجاوزنا مرحلة العزلة الخليجية والعربية التي احاطت بالعراق بعد عام 2003.

وما دمنا نتحدث عن التفاصيل، (اختيار السبهان بالذات)، يمكن ان نسجل الملاحظات او الاسئلة التي يعرف الكثير اجوبتها مسبقا:

- كم سفير أجنبي في العراق يمارس مهامه حاليا وهو يحمل خلفية تشابه خلفية السبهان؟

- وهل تحتاج السعودية الى ملحق عسكري لتمارس دورها في دعم بعض الجماعات المسلحة في العراق مثلا؟

- هل الخارجية العراقية او لجنة الخارجية في البرلمان العراقي غافلة عما يجري... وتحتاج الى من ينبهها؟

- ما نرغب في مراقبته حقا هو طريقة العمل على بناء الثقة بين البلدين في جهود مكافحة الارهاب، وليس التركيز على الوسطاء (السفراء) في نقل استراتيجية بلدهم المتبعة تجاه العراق... وهو الاهم.

- اقليم كردستان يسعى لفتح قنصلية سعودية على اراضيه قريبا، لتعزيز مواقفه السياسية... وسياسيو المركز ما زالوا يطالبون بالمزيد من الضمانات.

اغلب الظن ان الواقعية السياسية تفرض على العراق تقوية دبلوماسيته مع الكل، خصوصا في هذه المرحلة... مثلما فرضت "عوامل دولية" بعض السياسات الخاصة في العراق... من دون تسميتها بمسمياتها... والحال ان من يتخوف او يشكك... له بعض الحق... لكنه لم يفكر بواقعية، وانما اقترب من العواطف التي لا تنسجم مع السياسة او المصلحة العامة، لذا من الافضل ان تستمر وترتفع وتيرة الجهود الخارجية العراقية في استثمار الفرص وانصافها لتعزيز وبناء ما تهدم في السنوات الماضية... بعد ان جربنا سنوات العزلة والاتهام... التي لم نجني منها سوى المزيد من المفخخات والارهاب والعمليات الانتحارية... وما دام الباب مفتوحا فلنتقدم الى الامام... ودعونا لا نستبق البلاء قبل وقوعه.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1