ليس ثمة ما جمع المهاجرون إلى العالم الجديد غير مغامرة الربح السريع ورغبة الرفاهية الدائمة والقدرة على تدوير الأموال لديمومة إدارة الإنتاج، هكذا بدأت مقولة (دعه يعمل.. دعه يمر) لتكوين النظام الراسمالي التي سرعان ما حقق وفرة إنتاج تنافس العالم القديم في أوروبا العجوز التي احتاجت إلى القوات الأمريكية في حربين عالميتين ومن ثم إلى مشروع مارشال لتبدا قوة الدولار بالظهور في سوق العلاقات الاقتصادية الدولية.

كل ذلك انعكس خلال الحرب الباردة على تقرير سنوي عن اهتمامات الامن القومي الأمريكي ما يهمنا تكرار الحفاظ على الوجود الاسرائيلي والحفاظ على تدوير ارباح البترودولار من أموال النفط العربي، وكل من الامرين رسم وما زال الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط.

كان لابد من هذه المقدمة للإجابة على السؤال في عنوان هذا المقال، لاسيما وان الكثير من مواقع التواصل الاجتماعي وكروبات المحادثة تحتفل بصخب الحديث عن نتائج تحول سياسات إدارة البيت الأبيض بوجود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي انتقل من تجارة أفلام الدعارة الى إدارة السياسة الخارجية الأمريكية بذات أساليب الاخراج الفاضحة لتلك الأفلام.

وكانت هذه السياسات ناجحة في توفير اموالا كبيرة وتغيير مفاعيل الانتكاس في الاستراتيجية الأمريكية للقرن الحادي والعشرين إلى نموذج نجاح في صفقة القرن التي قدمت الدعم الأقصى من الولايات المتحدة لخروج اسرائيل من قوقعة المقاطعة العربية إلى نموذج متجدد لإدارة الاستثمار متعدد الجنسيات في المنطقة من دون أي حلول نهائية للقضية الفلسطينية التي انتهت إلى مصاف النسيان بعد ظهور عمودي الحرب الطائفية بين التطرف المذهبي الإسلامي.

وسبق وان نشرت اكثر من دراسة ومقال أصل فيه إلى أن كل ما حدث في عراق ما بعد 2003 إنما مخطط اسرائيلي نجحت في تنفيذه من دون ان تخسر طلقة واحدة من خلال أدوات ربما منها من نفذ عن جهل ومجرد ردود أفعال أو من نفذ عن دراية ومعرفة مسبقة.

كل هذه النجاحات التي أحرزها فريق ترامب لارضاء اسرائيل ومشروعها التوسعي في الشرق الأوسط الكبير، ودور اللوبي الاسرائيلي الذي جعل مدراء كبريات الشركات متعددة الجنسيات يحضرون احتفالية افتتاح مشروع ( نينوم) في السعودية، لكن هذا الاسلوب في إخراج أفلام الدعارة الصاخبة إذ نجح في توفير سيولة مالية إلا أنه فشل فشلا ذريعا في التعامل مع جائحة كورونا، وان وظفت منهجا في التنابز الاعلامي مع الصين الشعبية إلا أن فشله الأكبر ظهر في أول لقطات تلفزيونية بثت عن طريقة القاء القبض القاتلة على رجل اسود من شرطي أبيض لتعود الذاكرة الجمعية للراي العام الأمريكي لأيام الفصل العنصري، تلك النار تحت رماد ذلك النمر الأمريكي الذي وجد نفسه وحيدا في عالم تحول إلى (خزف صيني) فطاح بالجميع طاغيا بقوته.

ونحن العراقيون اكثر من يعرف هذا الطغيان خلال مرحلة فرض الحصار على العراق نعم أنها لعنة حماقة دكتاتورية إلا أنها وظفت لكي يصفق بعض قيادات الاحزاب لقول مادلين اولبرات أن أطفال العراق يستحقون الموت لان الاباء لا يثورون ضد صدام!

اليوم يواجه ترامب غضب العرق الزنجي، على الرغم من كل برامج الدعم والتاهيل التي قدمت منذ ظهور حركة لوثركنغ وحتى بعد وصول رئيس أمريكي من ذات الاصول العرقية فهل يعد ذلك فشلا للرئيس ترامب أم انه الفشل للحلم الأمريكي بالرفاهية وحقوق الانسان؟

الجواب عندي يرجع إلى كتاب بول كندي (الاستعداد الأمريكي القرن الحادي والعشرين) الذي نصح فيه تعديل نظام الانتخابات الرئاسية الأمريكي محذرا من سقوط البيت الأبيض في مواجهة المزاج العام المتقلب، وتاثيره على الموقع الدولي للهيمنة الأمريكية.

لذلك من المهم عند المقارنة بين تظاهرات ساحات التحرير العراقية وبين التظاهرات الأمريكية اليوم ليس التوقف عند اطار الموقف الأمريكي الرسمي من تظاهرات ساحات التحرير بل فهم أعمق لدرس متكرر تاريخيا، قالها ابو القاسم الشابي، إذا الشعب يوما أراد الحياة، فهذا الشئ يتطابق مع توصيف واقعنا في ساحات التحرير العراقية.

اما التظاهرات الأمريكية فتبقى ضمن السياق العام الذي يحافظ على المؤسسات الدستورية وهي عريقة في الولايات المتحدة الأمريكية، وحين يخطا الرئيس ترامب سيظهر من يقومه ويعدل سلوكه السياسي او يقدم للمحاسبة أمام الكونغرس، وهذا ما نفتقده عراقيا، نعم مقالات التشفي مقبولة من البعض الذي يريد القفز من مفاسد المحاصصة لتسويق نموذج من الازدواجية الأمريكية المعروفة فما حدا. مما بدا ... ولله في خلقه شؤون!.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0