كما هو متوقع منذ زمن عادت موجة الإرهاب لتضرب المملكة العربية السعودية من جديد، لكن هذه المرة تختلف الموجة عن سابقاتها التي وقعت عقد التسعينات وبداية الالفية الثانية لسببين، أولهما ان تنظيم "داعش" وليس تنظيم "القاعدة" هو من يتبنى (بحسب الظاهر) هذه الهجمات، والثاني ان الأهداف المقصودة ليست المنشآت الغربية او المصالح الامريكية او حتى الحكومية للنظام، وانما استهداف الأقلية "الشيعية" داخل السعودية، بعد ان ضربت المساجد والحسينات في المناطق التي يسكنها المواطنون الشيعة، ويشكلون فيها اغلبية، خصوصا في المنطقة الشرقية الغنية بالنفط.

وكما تم استهدافهم قبل اشهر من قبل عناصر مسلحة تلقت الدعم والتمويل من تنظيم داعش، (بحسب التحقيقات التي أجرتها الأجهزة الأمنية لوزارة الداخلية السعودية)، بعملية اطلاق النار على المصلين في "حسينية الدالوة"، تم استهدافهم، أيضا، قبل أيام بعمل إرهابي اخر كان فيها الانتحاري يرتدي حزاما ناسفا، فجر نفسة بين صفوف المصلين، وقت إقامة صلاة الجماعة في مسجد الامام علي بن ابي طالب بمدينة "القديح" بالقطيف، واخيرا تم استهدافهم للمرة الثالثة بانتحاري ثاني حاول دخول مسجد "العنود" بمدينة "الدمام" شرق المملكة ومنع من قبل "اللجان الشعبية" التي شكلها المواطنون بعد عجز الأجهزة الامنية عن حمايتهم، (طبعا الرواية الرسمية صورت الهجوم على انه سيارة مفخخة تصدى لها رجال الامن، كما ان هناك تضارب واضح بين البيان الرسمي لوزارة الداخلية وقناة العربية السعودية)، وقد أوقعت جميع هذه الحوادث عشرات الشهداء ومئات الجرحى من الشيعة، وجرت جميعها على يد مواطنون سعوديون ينتمون لتنظيم "داعش".

ويبدو ان هجمات "داعش" الثلاث أعلنت عن إضافة جديدة في المشهد السعودي الداخلي، في وقت يعاني فيه "المحمدان" (محمد بن سلمان، محمد بن نايف)، وهما يتصدران قمة الحكام الجدد للملكة، من ارتباك الأوضاع اليمنية و"عاصفة الحزم" التي دخلت "مرحلتها الثالثة" من دون رسم ملامح واضحة للاستراتيجية السعودية في اليمن، بعد أكثر من شهرين من الضربات الجوية والحصار البري والبحري والدعم العسكري والسياسي لجماعة "هادي"، وفي خطوة حذر منها الكثير على اعتبار تحول اليمن الى "فيتنام السعودية"، ويمكن ذكر بعض اهم هذه الإضافات:

- كثيرا ما توعد تنظيم "داعش" على لسان زعيم التنظيم "أبو بكر البغدادي" والناطق باسم التنظيم "أبو محمد العدناني" وكبار قادة التنظيم السعوديون، النظام والمملكة ببراكين ونيران تحرقهم وتسقط عروشهم، وكان اخرها التسجيل الصوتي المنسوب للبغدادي، والذي دعا فيه أنصاره الى شن هجمات انتحارية تستهدف المملكة والنظام فيها، ويبدو ان اقوال البغدادي ترجمت على ارض الواقع، بعد ان اكدت الأجهزة الأمنية السعودية ان امن واستقرار المملكة متين ولا يمكن ان يتم اختراقه من قبل تنظيم "داعش".

- ينظر الى "محمد بن نايف" ولي العهد الجديد (وهو ثاني اقوى منصب في سلسلة نظام الحكم السعودي)، على انه الرجل القوى الذي تمكن من التعامل مع تهديدات تنظيم "القاعدة" قبل سنوات (عندما كان في وزارة الداخلية مع والده)، والقضاء عليهم بالتعاون مع الأجهزة الاستخبارية في الولايات المتحدة الامريكية، كما يذكر انه تعرض لأكثر من محاولة اغتيال نجا منها جميعا، واليوم، وبعد سنوات من نهاية القاعدة يواجه "بن نايف" تنظيم داعش، وهو على رأس الأجهزة الأمنية والسيادية في المملكة، مع فشل في احتواء تمدد التنظيم داخل المجتمع السعودي، إضافة الى عدم تمكن حماية الأقلية "الشيعية" من استهداف التنظيم.

- محاولة تنظيم "داعش" ضرب المدنيين الشيعة في دور العبادة، تأتي في سياق "حربة المذهبية" ضد الشيعة في الشرق الأوسط، باعتبار شيعة السعودية جزء من شيعة الشرق الأوسط والعالم (الكفار او المشركين او المجوس الصفويين)، وليسوا جزء من اوطانهم او المسلمين في العالم، والهدف هو خلق الفوضى الطائفية في بلد يعد من أكثر البلدان الاسلامية المتعصبة دينيا، (لانتشار المذهب الوهابي والسلفي المتشدد بكثرة، إضافة الى وجود العديد من العلماء والفتاوى التي كفرت الشيعة وحرضت على قتلهم داخل المملكة)، وبالتالي فلا يتطلب من داعش سوى خلق الفوضى الطائفية والباقي يتكفل به الاخرون.

- هناك علاقة من الريبة والظلم بين النظام الحاكم في السعودية والأقلية الشيعية من مواطني المملكة امتدت لعقود من الزمن وتفاقمت بعد احداث الربيع العربي عام 2011، بعد ان خرج الشيعة في مظاهرات جابت اغلب شوارع المنطقة الشرقية للمطالبة بالعدالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لكن الاحتجاجات الشعبية جوبهت بالرفض الرسمي، كما شنت الأجهزة الأمنية حملة من الاعتقالات طالت قيادات ورموز المعارضة الشيعية (وحتى الليبرالية والعلمانية)، والتي كان ابرزها اعتقال الشيخ "نمر النمر" بعد اطلاق النار عليه واصابته بالشلل، وحكمة بالإعدام وهو ينتظر تنفيذ حكم الإعدام عليه في أي لحظة، والأكثر من هذا، مشاركة قوات "درع الجزيرة" السعودي في قمع مظاهرات الجارة "البحرين"، ذات الغالبية الشيعية، باستخدام القوة المفرطة، وهو ما ولد شعور عارم بالغضب تجاه العائلة المالكة، بعد ان فسر استنفار قواتها العسكرية الى البحرين على اساس طائفي، باعتبار ان النظام الحاكم "سني" يحكم اغلبية "شيعية" طالبت بحقوقها السياسية والاقتصادية، وقد يكون اللعب على هذه العلاقة، جزء من استراتيجية تنظيم "داعش" تجاه السعودية.

سيناريو اخر

هناك سيناريو اخر قد لا يربط تنظيم "داعش" بصورة مباشرة بالتفجيرات التي استهدفت شيعة السعودية، ولا يعتبرهم سوى أداة لتنفيذ "مارب أخرى" لأطراف لها فائدة مباشرة باللعب بالنار الطائفية لإفشال او اسقاط حكم "المحمدان"، وهو سيناريو يقترب في وصفه الى "الصراع الداخلي" او "الصراع العائلي" بين الطبقة الحاكمة ومراتبها المختلفة ودرجة العداء فيما بينها، (امراء، أبناء حكام سابقين، بيوتات مرموقة، المبعدين من الحكم...الخ)، سيما وان ترتيب اللحظات الأخيرة لوفاة الملك السابق "عبد الله بن عبد العزيز"، والتي اسقطها الملك الحالي "سلمان بن عبد العزيز" وابنه "محمد بن سلمان"، واطاحت بكبار القوم "متعب بن عبد الله" و"مقرن بن عبد العزيز" و"خالد التويجري"، من الحكام السابقين، إضافة الى عشرات المناصب الأخرى التي تم تغييرها بعد أيام من وصول المحمدان، وعلى سيناريو "الفشل الخارجي" في إدارة الازمة اليمنية، و"الفشل الداخلي" في ضبط الامن والاستقرار داخل المملكة، يمكن ان تتحرك الأطراف المعارضة في اسقاط الحكم وتقاسمه لاحقا فيما بينهم.

وخلاصة القول ان أي من الاحتمالات المطروحة قد يصدق، فالنتيجة واحد، السعودية تعيش هذه الأيام مأزق حقيقي على المستوى الخارجي، اضيف له مازق اخر على المستوى الخارجي، وكلاهما سيلعبان على تغيير الكثير من نقاط القوة التي تمتعت بها المملكة حتى وقت قريب.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0