بعد غياب طويل استمر لأكثر من أربعة عقود فرضته عوامل ووقائع وتحديات عاشتها بريطانيا آنذاك منها الانهاك الكبير الذي لحقها جراء الحرب العالمية الثانية عام 1945م، وتبنيها على أثره سياسية الانعزال والانطواء لمعالجة الخلل الاقتصادي والعسكري الذي تراكم عليها جراء هذه الحرب ونتيجة للتحولات الجيوسياسية التي افرزتها الحرب حينها وهي بروز قوى عالمية صاعدة لم تتأثر في الحرب كثيرا ابرزها الولايات المتحدة الامريكية، اغتنمت بريطانيا الواقعية السياسية وهي التسليم بواقع ميزان القوى الجديد والذي احتفظت بعلاقات استراتيجية مع احد أقطابه لذلك أقدمت في خطوة عدت الأكثر جرأ وهي تسليم مواقعها العسكرية من قواعد عسكرية برية وبحرية الى ذك الحليف الصاعد الذي لم تنهكه الحرب بعد وهو الولايات المتحدة الامريكية، ومنها قواعدها العسكرية البرية والبحرية في العالم ومنها منطقة الخليج وخصوصا في مملكة البحرين.

 اليوم عادت بريطانيا للشروع في إعادة ذلك المورث الاستعماري القديم، حيث وقعت الاخيرة في الخامس من كانون الاول الحالي من هذا العام 2014 اتفاقا بينها وبين حكومة البحرين على هامش قمة التعاون الامني والتي تعرف بـ (حوار المنامة) مثل بريطانيا في هذا الاتفاق وزير خارجيتها (فيليب هاموند)، أما البحرين فمثلها وزير خارجيتها (خالد بن محمد ال خليفة) من اهم الملاحظات التي اشرت على هذا الاتفاق والتي اثير حولها الجدل هو تحمل الحكومة البحرينية تكاليف انشاء هذه القاعدة بينما تكتفي الحكومة البريطانية بتشغيلها واستخدامها.

أثار هذا الاتفاق الذي تخلله عودة بريطانيا للمنطقة في بناء قاعدة عسكرية في احدى دولها الكثير من التساؤلات والتحليلات الإستراتيجية أهمها :-

1- ان الخليج مؤمن عسكريا من قبل الولايات المتحدة الامريكية وخصوصا مملكة البحرين التي يرسو فيها مقر الاسطول الخامس للقيادة الوسطى الامريكية، فهل الاخيرة عاكفة على الرحيل من هذا البلد والمنطقة ام تريد اجتذاب معها قوى حليفة لها لتشاركها هذه المسؤولية، ام الامر يعود الى البحرين وبريطانيا في تبني هذا التحول العسكري وحتما بمباركة او تأييد امريكي له.

2- هل ما تشهده دول المنطقة من اضطرابات وحروب داخلية واخرى إقليمية ودولية بالنيابة، يخلق قلق وعبئ أمريكي من الخوف في وصولة الى دول الخليج وبالتالي تشتت الجهد الامريكي في إيقافه ومواجهته وخصوصا ما تمثله هذه الاضطرابات من وسائل واساليب عنف عسكرية تفتقر المنظومة العسكرية الأمريكية الحالية إلى وسائل فاعلة لمواجهتها وبالتالي أرادت إحضار من يشاطرها الاهداف والمصالح الى المنطقة وخاصة البحرين.

3- البحرين تعاني من حراك شعبي جماهري يمثل اغلبية شعبية يسعى في مطالبه الى احداث تغير سياسي ومنذ بداية الربيع العربي الى يومنا هذا، وبالتالي ايقنت وبعد استنفاذ كل الطرق والوسائل الداخلية من حوارات مع قادة هذا الحراك وكذلك توظيفها السطوة الامنية في ايقافها واستخدام قوى إقليمية كقوات درع الجزيرة وأنها لم تجدي نفعا وهذا ما دفعها إلى جلب تلك القوى التي تعاملت كثيرا مع هذا الشعب وتدرك مفاتيح الدخول والخروج من ازماته.

4- كانت العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية الى يومنا هذا كافية لبريطانيا في العودة الى ماضيها الاستعماري في الخليج الذي تغيبت عنه لصالح الولايات المتحدة الامريكية وربما شعرت وأحست أخيرا ببداية الضعف والاضمحلال للولايات المتحدة الامريكية في هذه المنطقة الحيوية من العالم..

من جانب اخر يرى الكثير ان هناك اسباب مباشرة لعودة بريطانيا للمنطقة وخصوصا الخليج العربي ومنها:-

• كونها خطوة إستراتيجية للبحرية البريطانية من اجل التأكيد على قوة بريطانيا في منطقة الخليج العربي وشرق السويس التي انسحبت منها عام 1968م.

• تنامي الدور الايراني وخوف البحرين المستمر من تعاظم هذا الدور خصوصا بعد الاحتجاجات التي تشهدها البحرين منذ عام 2011م الى يومنا هذا، بالإضافة الى التلويح الايراني المستمر حول اغلاق مضيق هرمز وما يمثله هذا المضيق من اهمية بالنسبة لدول الخليج العربي عامة والبحرين خاصة.

• ظهور خطر الدولة الاسلامية في العراق والشام المعروفة ب (داعش) والخوف من انتقالها الى دول الخليج خصوصا بعد تلويحها بذلك، من هنا يمكن ان تشارك هذه القاعدة في محاربة هذا الخطر.

• تمسك الاسرة الحاكمة في البحرين بالسلطة وعدم التنازل عنها ربما دفعها إلى اللجوء إلى قوة بريطانيا لكسب ودها من اجل التلويح بأنها تمتلك القوة العسكرية الكافية التي توفر لها الحماية من أي خطر سواء كان داخلي أم خارجي.

واخيرا تسعى البحرين الى تنفيذ هذه الاتفاقية وفي القريب العاجل، فقد أوضح وزير خارجيتها (خالد بن محمد ال خليفة) ان هذه الاتفاقية تصب في اطار التعاون المستمر والشراكة الفعلية ما بين البحرين والمملكة المتحدة، اما بالنسبة لموقف المعارضة فقد كان واضحا جدا من خلال رفضها وامتعاضها الشديد وعلى لسان عدد من الجمعيات السياسية المعارضة ابرزها (جمعية الوفاق، جمعية الاخاء، حركة وعد، التجمع القومي الديمقراطي، المنبر الديمقراطي التقدمي) وكان رفضها هذا مبني على اساس ان هذه الاتفاقية تمثل عودة للاستعمار البريطاني من جديد داخل البلاد خصوصا وان البحرين تعيش اليوم حراكا شعبيا ووضعا سياسيا وامنيا غير مستقر بسبب اتباع السلطة الحاكمة في البحرين لسياسة تكميم الأفواه وتغييب للراي العام الشعبي، ومما تجدر الإشارة إليه أن هذه الخطوة البريطانية سبقتها خطوة فرنسية مماثلة مع الإمارات العربية المتحدة عام 2009م، فهل باتت المنطقة على أعتاب مرحلة أفول القوة الأمريكي كقوة أساسية والبدء بمرحلة تقاسم النفوذ بين القوى الكبرى القديمة والجديدة؟.

* باحثة مشاركة في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1