قبل سنين، تناقلت وسائل الإعلام خبراً يقول إنّ ثوراً هرب من مجزرة في فرنسا، أثناء تهيئته للذبح، ولحسن حظه أنّ بريجيت باردو، الممثلة الفرنسية الشهيرة التي كرّست حياتها، بعد اعتزالها الفن، للعناية بالحيوانات، عرفت بالأمر، فما كان منها إلّا أن دفعت ثمنه البالغ ثلاثة آلاف دولار للجهات المالكة وعتقته ليبقى حياً!

الخبر ينطوي على طرافة، بقدر ما ينطوي على سخرية ممزوجة بألم، ليس من باردو وثورها، بل من واقعنا العالمي اليوم، إذ يتداخل المنطق باللامنطق والواقعي بالفنتازي، فما شغل وسائل الإعلام وجعل صور بريجيت باردو تتصدر الصحف، لا ينطوي على قيمة عملية، لأنّ هناك المئات والآلاف من الثيران التي لم تسنح لها فرصة الهرب، قد جزرت أو بانتظار الجزر، وبريجيت باردو تدرك هذا الأمر جيداً ولا تستطيع أن تفعل شيئاً، أو أنّ الأمر لا يستحق أي هامش للألم، كونه ممّا درجت عليه البشرية منذ الأزمنة السحيقة إلى اليوم، فلا بدّ من جزر الحيوانات، وحصاد الزروع وصيد السمك، وهذه كلّها كائنات حيّة، من المؤكد أنّها ترفض الموت وتتألم عند ذبحها أو قطفها، لكننا لا نشغل أنفسنا بذلك؟!

حكاية هذا الخبر، ذكرتني بواقعة مشابهة حصلت في مصر أثناء حكم الملك فاروق، ربّما في أربعينيات القرن الماضي، إذ هرب بعير من المجزرة، وراح يجري في شوارع القاهرة قبل أن يصل قريباً من (قصر عابدين)، حيث يقيم الملك الذي عرف بالأمر، فأدرك أنّ هذه الفرصة ينبغي أن لا تفوّت، وربّما أشار عليه أحد أفراد الحاشية بذلك، لينتشر الخبر في اليوم التالي من خلال الصحافة، أنّ بعيراً هرب من المجزرة ليستجير بالملك فاروق، الذي أجاره وتركه يرعى بسلام في حدائق القصر! ولتكتب الإقلام الرخيصة وتنشد القصائد للملك (مجير الضعفاء)! لكن الملك يدري أيضاً، أنّ هناك الآلاف من الإبل تجزر يومياً ولم تسنح لها فرصة الهرب، وأنّ الناس لن تتوقف عن الجزر حتى لو صدر أمرٌ ملكيّ بذلك!

ما هو ليس بخافٍ، في ما يتصل بالحكايتين المذكورتين، أنّ السيدة باردو تدرك أيضاً أنّ هناك الآلاف من البشر يجزرون يومياً على أيدي جزّارين عالميين، وأنّها غير قادرة حتى على رفع صوتها بوجه الفاعلين، وربّما يسبب لها هذا خسرانها النجومية التي تجعلها باستمرار محطّ اهتمام الإعلام، حين تدافع عن ثور أو قطة أو كلب أو غيرها من الحيوانات، وقد تتحول في نظر المتنفذين الكبار هناك، كإحدى هذه الحيوانات، إن هي دافعت عمّن يراهم الكبار مجرد كائنات قريبة في أهميتها من الحيوانات، والأمر نفسه مع الملك فاروق، فهو الغارق في الملذات واللاهي عن آلام شعبه وجوعه وحرمانه، يريد أن يخدع الناس بـ (استجارته) بعيراً.

هذه التداعيات، أثارها خبر من السودان، يقول إنّ الحكومة السودانية الجديدة، تدرس إمكانية تسليم الرئيس المخلوع عمر البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية، في لاهاي، بتهمة ارتكاب جرائم حرب في دارفور أو غيرها، وهي التهمة التي ظلّت معلقة منذ سنين، إذ رفض البشير الذهاب إلى المحكمة، ورأى أنّ الدعوى مسيسة وتقف وراءها جهات لا تريد للسودان السلام والاستقرار، وفي العموم، يرى كثيرون أنّ الأمر كذلك حقا، وأنّ إقرار العدالة لم يكن هو الهدف من اتهام البشير، وإن كان مذنبا حقا.

الشيء اللافت، والذي يقدح بمصداقية من يريدون محاكمة البشير، أنّ الدول الكبرى المتصارعة بشكل شبه مباشر في منطقة الشرق الأوسط، لا سيّما بعد الربيع العربي، ولأهداف باتت معروفة ومكشوفة، ولا علاقة لها بحقوق الإنسان والديمقراطية، صارت تتهم بعضها بعضا بارتكاب جرائم حرب، وبشكل مستمر، على خلفية أعمال وحشية حصلت في أكثر من ميدان وتعرضها الفضائيات بشكل متبادل، لكنّ أحداً من المسؤولين في تلك البلدان، لم يقدم إلى المحاكمة، بل إنّ أحداً لم يجرؤ على ذلك، سواء في المحكمة أو خارجها.

يقول المثل الشهير، لا يستقيم الظلّ والعود أعوج!.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق