ثمة حقيقة شاخصة اليوم في المشهد العالمي، وهي أن العالم من أقصاه إلى أقصاه، يعيش ثورة في وسائل الاتصال والتواصل والإعلام.. ولهذا انتشرت الفضائيات وتعددت المحطات التلفزيونية، وعملت كل الشعوب والأمم والجماعات باختلاف منابتها وأيدلوجياتها للحضور الفضائي..

ونفسر اندفاع جميع الخصوصيات للتعبير عن ذاتها فضائيا في الإطار العربي، إلى أن الوضع السياسي والإعلامي العربي، استند خلال عقود عديدة إلى إستراتيجية تغييب الخصوصيات الدينية والمذهبية والقومية والجهوية والقبلية لصالح رؤية مركزية واحدة.. ومع التطورات السياسية والإعلامية الجديدة، شعرت جميع الخصوصيات أن بإمكانها التعبير عن نفسها فضائيا.. فتسارعت كل الخصوصيات الموجودة في الفضاء العربي إلى الحضور التلفزيوني.. ولعلنا لا نجانب الصواب، حين القول أن أغلب حالات التسارع تمت بدون رؤية واضحة، وإستراتيجية إعلامية مدروسة.. وإنما هو تسارع عفوي، يستهدف الوجود الفضائي بذاته.. وبطبيعة الحال أن الاندفاع السريع نحو تأسيس فضائيات كان التحدي الرئيسي الأساسي الذي يواجهه هو إثبات الوجود والذات..

بمعنى أن المشروع الإعلامي يمر بمرحلتين أساسيتين على هذا الصعيد:

1ـ مرحلة اثبات الوجود والذات سواء كانت دينية أو قومية أو مذهبية أو قبلية.. وعادة في هذه المرحلة تتراجع شروط الجودة على مختلف المستويات لصالح الحضور كيفما كان..

ولكن غياب الاستراتيجية الإعلامية الواضحة، وكذلك الكادر البشري المؤهل، يجعل مرحلة إثبات الوجود كيفما كان طويلة والثمن الذي تدفعه المجتمعات من جراء هذا الإعلام كبيرا..

2ـ مرحلة إدارة الوجود الإعلامي بما ينسجم ومشروع القاعدة الاجتماعية التي انطلقت منه هذه الفضائية التلفزيونية أو تلك..

وأعتقد أن الفضائيات الدينية في غالبها، لا زالت تعيش المرحلة الأولى بكل التباساتها وهواجسها. وهذا يتطلب من القائمين عليها، التفكير الجاد في إيجاد آليات مدروسة، في سبل تجاوز الإعلام الهاوي إلى الإعلام المحترف. وهذا يتطلب الاهتمام بالنقاط التالية:

1ـ الإعلام والمشروع الثقافي والسياسي:

على الصعيد الواقعي هناك علاقة وظيفية بين الإعلام والسياسية.. بمعنى أن الإعلام هو أحد روافد العمل السياسي، كما أنه هو وسيلة الترويج والتسويق للمثل و المشروعات والشخصيات.. ولكن وجود هذه العلاقة ينبغي أن لا يقلل من شروط المهنية والاحتراف الإعلامي..

فكل المحطات التلفزيونية لها أجندتها، ولكن تختلف عن بعضها في طبيعة التعامل مع هذه الأجندة..

فهناك التعامل المباشر الفج الذي لا يوسع من دائرة المشاهدين والمتابعين.

وهناك التعامل الذكي المحترف، الذي يعمل للوصول إلى أجنديته وغاياته عن طريق أنشطة إعلامية متعددة، تلتزم بشروط العمل الإعلامي الصحيح والمتقن..

2ـ التدريب والتكوين المهني:

لا يكفي أن تكون أهداف المحطة التلفزيونية وغاياتها نبيلة، وإنما من الضروري الاهتمام بكل مسائل التدريب والتأهيل المهني والعلمي لكل الكوادر الإعلامية..

وأعتقد على هذا الصعيد أن أغلب الفضائيات الدينية بحاجة إلى الكثير من الجهود النوعية التي ينبغي أن تبذلها على هذا المستوى..

إضافة إلى إنه لا يمكن أن يتقدم الأداء التلفزيوني في أي محطة تلفزيونية، بدون مؤسسات إنتاج فني وبرامجي، قادر على رفد الفضائية بالعديد من المشاريع التلفزيونية والبرامج الإعلامية المتميزة..

3- الفضائيات الدينية وروح المسجد:

لا ريب أن للفضائيات الدينية إيجابيات ومكاسب عديدة، ولكن ما أود أن أثيره في هذا السياق هو إصرار أغلب هذه الفضائيات على الخطاب الذي يفرق بين الناس، ويشحن نفوسهم بالحقد والبغضاء على مخالفيهم في الرأي أو المعتقد..

مما حول أغلب هذه الفضائيات إلى مصدر في إشاعة خطاب الكراهية والفتنة..

لذلك فإننا ندعو هذه الفضائيات إلى العودة والالتزام بروح المسجد.. فهي روح جامعة وحاضنة للجميع، وتلبي حاجات الجميع..

ولا يمكن أن تقترب هذه الفضائيات من روح المسجد إلا بخلق مبادرة من قبل القائمين عليها للاجتماع وتدارس الأمر وصياغة ميثاق إعلامي متكامل، ينبذ الفرقة والشقاق، ويؤكد على قيم الحوار والوئام والتسامح والمحبة وحقوق الإنسان..

وبكلمة: إن التزام جميع هذه الفضائيات بروح المسجد الجامع والحاضن، هو الذي يخرجها من مأزقها الحالي..

ففي لحظة زمنية وجيزة، توالدت وانتشرت الفضائيات الدينية، وأصبحنا يوميا نكتشف قناة إعلامية–دينية جديدة، وأضحى الجميع في زمن انفجار الهويات الفرعية، يحدث نفسه وجماعته الأثنية أو القبلية أو المذهبية حول ضرورة التواجد الفضائي..

ونحن نعتقد أن ظاهرة انتشار الفضائيات الدينية، بحاجة إلى دراسة عميقة ومتأنية، حتى نستطيع أن نصل إلى حكم نهائي حول مسارها ومسيرتها وتجربتها..

ولكن ما نستطيع قوله في هذا السياق أن أغلب هذه الفضائيات تتبنى خطاب وسياسة إعلامية مغلقة وعاطفية وشوفينية وإن هذه الفضائيات تعمل على إبراز مفاهيمها الخاصة وشخصياتها المقربة، والتغافل التام والتجاهل الكلي عن كل المفاهيم والقيم والشخصيات الأخرى، التي لا تلتقي بشكل أو بآخر وهذا الطرح..

أي إنها فضائيات فئوية – مغلقة، لا تمارس الانفتاح مع الرأي الآخر..

ولا تكتفي بذلك، بل تقوم بشحن الساحة العربية والإسلامية شحنا قبليا أو طائفيا.. لهذا نجد وفي زمن الفضاء المفتوح، ازدادت الإحن والأحقاد بين القبائل والطوائف، وأضحت الحرب الإعلامية المفتوحة على كل الاحتمالات، هي السمة البارزة في المشهد الإعلامي العربي والإسلامي..

والذي يثير الغرابة في هذا الإطار، هو أن الفضاء والإعلام المفتوح، لم يساعد جميع الأطراف على التعرف على بعضها البعض، وإنما تمترس كل طرف وراء إعلامه الخاص، وبدأ يطلق السهام والنبال ضد الأطراف الأخرى.. فأصبحنا جميعا نعيش هذه المفارقة، حيث الإعلام المفتوح الذي يصل إلى كل بيت، مع جهل عميق بالآخر وتغييب متعمد إلى تلك الحقائق والقضايا التي تنصفه..

فالإعلام الفضائي الإسلامي، لم يؤد إلى أن يتعارف المسلمون على بعضهم البعض، وإنما أدى إلى التخندق والتخندق المضاد..

فغابت الحقيقة الجامعة، واضمحلت المساحة المشتركة، وازدادت الإحن والأحقاد، وتراجع الفهم والتفاهم بين جميع الأطراف في الدائرة الإسلامية..

وفي هذا السياق، تحول الفضاء الإسلامي المفتوح من فرصة للتواصل والتعارف، إلى منصة لزرع الفتن والأحقاد بين المسلمين.. ونماذجنا على ما نقول كثيرة وعديدة.. ونعتقد أن استمرار هذا النهج والتوجه، سيفضي إلى المزيد من الكوارث على صعيد الأمن الاجتماعي والسياسي..

وإننا هنا ندعو جميع القائمين على الفضائيات الدينية إلى مراجعة استراتيجياتهم الإعلامية، والعمل على بناء إعلام تلفزيوني، يساهم في تعميق الوفاق بين المسلمين، ولا يشحن النفوس والعقول للمزيد من التشظي والفتن..

فالإعلام مسئولية والالتزام، وما يجري اليوم على الشاشات الإسلامية، يتجاوز الحدود بكل مستوياته.. حيث الألفاظ النابية، والتهريج المفجع الذي يعيد أحقاد التاريخ، ويهيئ الأرضية للمزيد من الحروب والفتن في كل المجتمعات والدول العربية والإسلامية إننا ندعو أصحاب هذه الفضائيات إلى أن يتقوا الله في أمتهم ومجتمعاتهم، وإن ما يمارسوه عبر العديد من برامجهم التلفزيونية، لا يخرج عن نطاق، تهيئة المناخ والأرضية للفتنة بكل صورها بين المسلمين.. لذلك نحن بحاجة إلى وقفة جادة لإعادة هذه الفضائيات إلى جادة الصواب بالابتعاد التام عن البرامج التي تشحن الناس ضد بعضها البعض لاعتبارات قبلية أو مذهبية أو جهوية، وتعمل على ترسيخ قيم الوحدة والتسامح وصيانة حقوق الإنسان..

فالإعلام الفضائي هو فرصة ذهبية، لتعريف العالم بقيم الإسلام الخالدة، وليس لنشر غسيلنا الوسخ على رؤوس الأشهاد..

والحرية لا تشرع لأحد ممارسة الحيف والظلم ضد الآخرين.. ومن يريد أن يدافع عن آراءه وأفكاره ومعتقداته، يستطيع أن يدافع عنها بوسائل حضارية، لا تقلل من قيمة الآخرين، ولا تدخل المشاهدين في حلبة من الصراع المفتوح الذي يبدأ بالشتائم المقززة، ولا ينتهي إلا بالدعاء على الآخرين بالويل والثبور وعظائم الأمور..

فالإسلام هو دين الرحمة والمحبة والألفة، ولكن من يشاهد هذه الفضائيات، يكتشف أن القيم المبثوثة في برامجها هي قيم مضادة شكلا وجوهرا لقيم الرحمة والمحبة والألفة..

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق