أخيرا وبعد خراب العراق وليس البصرة والموصل اعترف السيد عادل عبد المهدي بأن العراق يعاني أزمة نظام بالأصل، وما تردي الخدمات والبطالة وشيوع الفساد بأشكاله المختلفة والتخلف وضعف سيادة القانون والتضييق على الحريات وغيرها من التي يطول الحديث عنها، الا مظاهر لهذه الأزمة المتفاقمة التي لم تدركها الدولة والقوى السياسية الفاعلة فيها خلال ما مر من سنوات بحسب تعبيره.

واذا كنا نستميح العذر لتأخر الشباب في ادراك عمق الأزمة التي تعانيها العملية السياسية التي أرسى دعائمها المحتلون الذين ارادوا للعراق أن يظل عليلا، ولا يحتل من القوائم سوى ذيولها، فذلك لأن أعمارهم لا تزيد كثيرا عن عمر العملية السياسية، وان الواقع المزري ألهم نسبة كبيرة منهم القدرة على تشخيص مواطن الخلل في هذه التجربة المريرة، فإننا لا يمكن أن نعذر المؤسسين الأوائل الذين وضعوا حجر الأساس الأعوج لعملية سياسية فتحت الأبواب على مصاريعها لكل من هب ودب على دخولها والاتجاه بها الى مسارات لا تخدم سوى مصالحهم الضيقة، بينما تركت البلاد والناس لمصير مجهول تتقاذفهم الأزمات والصراعات والفقر من شاطيء الى آخر.

ان التأخر في ادراك عمق الأزمة يكشف عن احتمالات شتى منها قصر نظر المؤسسين وضحالة ثقافتهم وانعدام خبرتهم وعمالتهم للأجنبي وضعف روحهم الوطنية، وعدم ادراكهم للمسؤوليات التاريخية التي تفترضها المواقع المتقدمة التي تولوها.

ان عبد المهدي الذي اتخذت منه القوى السياسية الفاسدة والمتخلفة ساترا وكبش فداء لمسيرة الفشل التي اشتركت جميعا فيها وبلا استثناء، وتركته يقاتل بمفرده في معركة مصيرية مع الجماهير، لم يكن بغافل عن عمق الأزمة، بل كانت له تشخيصات خجول لها، لكنها لم ترق الى مستوى التصريح العلني الواضح لها كما في خطابه الأخير.

واليوم ونحن بإزاء ثورة الشباب ضد طبقة سياسية كشفت المعطيات انها لا تنتمي لهذا الشعب الذي أمضى عقودا من عمره يكابد المآسي والحروب ويتطلع الى مكانة مرموقة وحياة كريمة يستحقها، لم يكن أمام عبد المهدي الا استجماع شجاعته والاقرار بأزمة النظام التي يعانيها العراق من دون أن يكون بمقدور أحد من رفاق دربه اتهامه بالبعثية او الاندساس او العمالة او التخريب كما كان يُنعت بها الذين شخصوا هذه الأزمة منذ طُرح الدستور لاستفتاء الشعب في عام 2005.

لكن المكاسب الآنية والرغبة بالاستحواذ على السلطة دائما ما حملتهم على ترحيل الأزمات للمستقبل، وكان ظنهم ان الامور لن تصل الى أبواب مغلقة، واذا بالشباب يغلقون جميع الأبواب أمام الكل حتى وان كانوا صادقين بحزم الاصلاحات المعلنة، فلم تعد هناك ثقة بهذه الطبقة البتة. وبالرغم من الوقوف على موضع الخلل الجوهري في العملية السياسية، الا ان عبد المهدي لم يكن بالشجاعة نفسها ليحدد الآليات الحقيقية التي من شأنها محاولة حل أزمة النظام، واكتفى بملامسة سطح الأزمة دون الدخول في عمقها، وهذا متوقع منه، فلا يمكن لمن قَبِل أن يكون مسؤولا في سلطة عليا بنظام المحاصصة أن يتصدى بإرادة صلبة وبتحد حقيقي وايمان خالص لمواجهة هذا النظام الذي أضعف العراق وأفقر شعبه وأذله، لتأتي انتفاضة الشباب بالحس الوطني الذي سادها لتضع نهاية لهذا الخراب المتعدد الوجوه.

فلا يعد من الحلول اجراء تغيير وزاري او تحديد راتب بائس لمن لا دخل له وكأن المواطنين يستجدون من الفاسدين، او اطلاق وعود يدرك مطلقها انها أكبر من قدراته، وسبق أن أطلقها غيره دون أن يتحقق منها شيئا كمحاسبة الفاسدين الذين استحوذ كثير منهم على مناصب الدولة، او في قيادة أحزاب السلطة والمعارضة او الذين يتمترسون بالسلاح والعتاد في الدولة العميقة كما يسمونها، منطلقات الحلول يا سيادة الرئيس تكمن في تشكيل لجان دستورية ليس للسياسيين مكان فيها لإعادة النظر بالدستور واقرار قانون جديد للانتخابات، وتحديد آليات لا يمكن اختراقها لاختيار أعضاء مفوضية الانتخابات، يعقبها اجراء انتخابات في ضوء الصيغ الدستورية التي تنتهي اليها هذه اللجان فيما اذا كان النظام رئاسيا ام برلمانيا، كل ذلك يجري في ضوء أخطاء التجربة الماضية وتحت مبدأ أساس (تداول سلمي للسلطة في عراق ديمقراطي)، وهذا هو بداية الاصلاح فلا تتردد.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1