ثمة معادلة اجتماعية وسياسية في كل المجتمعات المتعددة والمتنوعة.. ومفادها الجوهري هو أنه حينما تغيب قيمة المواطنة وتتراجع أنظمتها وإجراءاتها ومتطلباتها تبرز على كافة المستويات مسألة الأقليات والتنوعات الأفقية والعمودية الموجودة في أي فضاء اجتماعي وثقافي..

لذلك فإننا نرى أن الخطوة الأولى في كل المجتمعات المتنوعة، لإنهاء ظاهرة الأقليات والهواجس المرافقة لها، هو إبراز قيمة المواطنة وجعلها هي مصدر الحقوق والواجبات، والمعنى القانوني والدستوري الذي ينظم العلاقة بين آحاد المجتمع المتنوعين في أصولهم الأيدلوجية أو القومية أو الأثنية..

وإن المجتمعات التي برزت فيها إشكالية الأقليات، بوصفها من الإشكاليات التي تحول دون انجاز مفهوم الوحدة الطبيعي في المجتمع والوطن الواحد، هي تلك المجتمعات التي لم تعمل على صياغة مشروع وطني متكامل قادر على استيعاب كل التنوعات الموجودة في المجتمع..

فالأطلس الأنثروبولوجي يشير بشكل لا لبس فيه، أن كل المجتمعات الإنسانية المعاصرة، تحتضن تنوعات وتعدديات أفقية وعمودية فإذا اتفق أبناء المجتمع في الدين، تنوعوا في المذاهب والمدارس الفقهية.. وإذا اتحدوا في الدين والانتماء المذهبي تنوعوا في الانتماء القومي أو العرقي والأثني..

ولعلنا لا نتجاوز الحقيقة حين القول: أن كل المجتمعات العربية والإسلامية الحالية، تعيش حقائق التنوع والتعدد.. وإن هذه الحقائق، تفرض طريقة حضارية في التعامل مع هذه الحقائق.. وإن هذه الطريقة الحضارية قائمة على صيانة وحدة هذه المجتمعات والأوطان من خلال الاحترام والحماية القانونية لحقائق التنوع والتعدد.. وإن غياب هذه المقاربة الحضارية في التعامل مع حقائق التنوع في الفضاء الاجتماعي والوطني، يفضي إلى بروز مشكلة الأقليات، وكأنها مشكلة مناقضة للوحدة الاجتماعية والوطنية..

ونحن في هذا السياق نعتقد أن وحدة المجتمعات المتنوعة دينيا أو مذهبيا أو قوميا أو عرقيا، هي تلك الوحدة المبنية على احترام مقتضيات التنوع وصيانة هذا التنوع وحمايته قانونيا.. دون ذلك ستبقى الإشكالية قائمة، ولم يتمكن أي مجتمع إنساني، من فرض نمط لوحدته الاجتماعية بعيدا عن حماية التنوع.. فالوحدات الاجتماعية والسياسية، لا يمكن أن تنجز على أنقاض تدمير كل حقائق التنوع الموجودة في المجتمع.. ونعتقد أن الممارسات التي تستهدف تدمير حقائق التنوع، هي ممارسات مضادة للوحدة، كما أنها مضادة للأمن الاجتماعي والاستقرار السياسي..

وثمة تجارب سياسية واجتماعية عديدة، تثبت صحة ما نذهب إليه.. فالمجتمعات التي تبني وحدتها بالقهر والقسر، سيتشبث كل الناس بخصوصياتهم الثقافية والحضارية الخاصة بهم.. أما المجتمعات التي تدير حقائق التنوع بعقلية حضارية، فإن هذا التنوع سيشكل إضافة نوعية وحقيقية للمجتمع بدون الإضرار بالوحدة ومتطلباتها ولوازمها الضرورية.. وعليه وفي زمن انفجار الهويات الفرعية التي تشهدها المنطقة العربية، نود التأكيد على النقاط التالية:

1- من الضروري للجميع رفض مشروع بناء الدول العربية والإسلامية بمقاس الهويات الفرعية..لأننا نعتقد أن سقوط الواقع العربي في هذا سيؤدي إلى تدمير المجتمعات العربية من الداخل.. وعليه فإننا نعتقد وبالذات في المجتمعات المتنوعة، أن بناء الدول الأيدلوجية والمذهبية، سيؤدي إلى تنمية كل أسباب وعوامل الصراع في الفضاء الاجتماعي والسياسي..

صحيح إننا ندعو إلى احترام وصيانة وحماية كل حقائق التنوع والتعدد، إلا أننا في ذات الوقت ضد أن تتشكل الدول والسلطات على هذه القاعدة المذهبية الضيقة..

نريد دولا عربية لكل شرائح المجتمع وحقائق التنوع فيه، وضد كل نزعة لتشكيل الدول والسلطات بمقاس كل حقيقة من حقائق التنوع والتعدد..

ونعتقد أن بروز هذه النزعة في العالم العربي، سيؤدي إلى نتائج كارثية على مستوى الأمن القومي العربي، وعلى مستوى الانسجام الاجتماعي وعلى مستوى العلاقة الإيجابية بين كل المكونات والأطياف الموجودة.. فالدول لا تتشكل بمقاييس الانتماءات المذهبية أو العرقية الخاصة، وإنما تتشكل بمقاييس المجتمعات الكبرى وكل تعبيراتها ومكوناتها.. فالأوطان تسعنا جميعا، وأي جهد أو نزعة لبناء الأوطان بمقاس الانتماءات، ستدمر الأوطان، ولن يتحقق بناء الأوطان بمقاس هذه الانتماءات الضيقة..

وعلى كل مكونات المجتمع أن تدرك إن الإنسان فردا أو مجتمعا، قادر على العيش في وطن بحقوق منقوصة، إلا أنه غير قادر على العيش بلا وطن.. هذه الحقيقة ينبغي أن يدركها الجميع، ويعمل الجميع من أجل حماية أوطانهم، مهما كانت الصعوبات والمشاكل..

2- ثمة حاجات عديدة وماسة، تدفع كل الدول العربية اليوم، للعناية والاهتمام اليوم بتنمية حس المواطنة في كل المجتمعات العربية.. لأن بروز الهويات الفرعية بكل حمولتها الرمزية والاجتماعية، مع غياب أو ضعف حس المواطنة سيفضي على المستوى الواقعي إلى وجود أكثر من مجتمع تحت سقف الوطن الواحد.. لن نتمكن من ضبط نزعات الهويات الفرعية، بدون تنمية حس المواطنة، بوصف حقائقها ومتطلباتها، هي التي تتمكن من ضبط نزعات الهويات الفرعية..

لذلك ندعو كل مجتمعاتنا للتفكير الجاد في بلورة مشروعات وطنية حقيقية، تستهدف بالدرجة الأولى تنمية حس المواطنة الواحدة والإعلاء من قيمة المواطنة في الفضاء الاجتماعي، حتى لا تتحول نزعات الهويات الفرعية إلى البديل..

ولن تتمكن مجتمعاتنا من مواجهة مخاطر التقسيم والتجزئة والتفتت إلا بخيار المواطنة الفعلي، الذي يوقف الانهيار، ويحول دون بروز هذه النزعات التي لا تنسجم ومقتضيات المواطنة والوطن الواحد..

3- من يبحث عن الحماية وصيانة مكاسبه الوطنية، فليس لديه إلا الوطن والمواطنة لإنجاز مفهوم الحماية ولمنع حالة التفتت من جراء متواليات الهويات الفرعية..

ومن يبحث عن حقه المفقود، لا يمكن الحصول عليه بتدمير وطنه أو إضعافه.. فكل الحقوق المفقودة، لن يحصل عليها الإنسان بدون حماية وطنه وتنمية حس المواطنة في فضاءه الاجتماعي والوطني..

ومن يراهن على هويته الخاصة لبناء مصالحه على هذا الأساس، فإنه سيعاني الكثير من المشاكل..

لهذا كله فإننا ندعو إلى تعزيز خيار المواطنة، ومن خلال هذا الخيار يتمكن الجميع من الوصول إلى غاياتهم وأهدافهم المشروعة..

من هنا ينبغي لنا جميعا أن نصون أوطاننا وننجز مواطنتنا، ونرفض التفكير في مصالحنا بعيدا عن مصالح الوطن الذي يجمعنا جميعا..

فالوطن هو خيارنا الذي لا نحيد عنه، والمواطنة هي سبيلنا لإنجاز وتحقيق ما نصبو إليه..

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0