اتساقا مع سلسلة الأحداث والأزمات السياسية الأخيرة التي مر بها العراق، لا يبدو أن الحكومة العراقية في ظل النظام السياسي العراقي الحالي قادرة على إيجاد الحلول والمعالجات بقدر ما هنالك محبطات سياسية داخلية وخارجية، هذه السلبية تعيدنا لفتح الحديث عن أزمة النظام السياسي العراقي الذي دائما ما يكون هو المدخل الأساس لطرح التحديات والمعوقات أمام أي حكومة منتخبة يعول عليها في الأداء الإنجازي الفاعل.

فالنظام السياسي المبني على أساس المحاصصة السياسية والتوافقية يعزز لنا ملامح الفشل والعجز في أدنى الاداءات في السياسة العامة للبلد الذي أصبح مثقل بالتصدعات والصراعات بسبب الاستئثار الصارخ للطبقة السياسية الأولى بمصالحهم الجهوية والذاتية والعيش على تسييس الهويات والمذاهب وتكريس خطاب الجمود والثبات على حساب خطاب المرونة والحركة دون أن تكون لها أي برامج ومشاريع سياسية وطنية مقبولة وناجحة.

ولهذا أصيب النظام السياسي بعدم القدرة على التعاطي مع التحولات المتسارعة والمتلاحقة للمشهد السياسي خاصة مع إصرار الكتل السياسية على البقاء وإعادة إنتاج نفسها وأفكارها وآلياتها بصورة لا تدر إلا مزيدا من التراجع وصناعة الأزمات، إذ تصلبت الكتل السياسية في إقصاء الكفاءات والمهنيين والمستقلين، لتكريس بقاءها وحجب الأفق عن أي نجاح لهذه الأجيال الشابة؛ لأن وصولها يعني انكشافها أمام العجز والفساد.

وأثبتت الكتل عدم تمكنها من تحقيق أهدافها وبرامجها الانتخابية ورهاناتها المعلنة على الأصعدة كافة، ولاسيما في مجال إدارة الدولة والتأسيس لانتقال ديمقراطي سليم وحقيقي، ولهذا هي تعمل على الإستمرار بعدم السماح بتجديد وصناعة النخب الوطنية المهنية، الأمر الذي يتنافى مع دولة المؤسسات التي ينشدها المواطن والتي تعتمد على المنطق الحداثوي لإسناد الوظائف والمسؤوليات والمهام لذوي الكفاءات وليس على أساس الهويات المرتبطة بعلاقات وانتماءات وولاءات سياسية وتجارية واجتماعية.

لقد عجز النظام السياسي التوافقي القائم على المحاصصة على توفير التأطير السياسي والثقافي والأمني والاقتصادي للمواطن، ولم تتمكن مخرجات هذا النظام المتمثلة بالكتل السياسية من أن تصبح مؤسسات أو مدارس موازية للتنشئة السياسية ولم تحافظ على قيم وسلوكيات المواطنة والمسؤولية وثقافة الحق والواجب والمشاركة والاهتمام بالشأن العام، مقتصرة بنشاطها على مراهنات واتفاقات وتحركات سياسية وانتخابية محدودة، وعدم إنتاجها لعمل سياسي مجتمعي ثقافي مستمر ومتواصل الحضور والتأثير، حتى بدأ التآكل التنظيمي والبنيوي للأحزاب المنضوية في الكتل بفعل هشاشة محاولات التجديد والتشبث لقياداتها بمواقعها وانحسار تطلعاتها في شرنقة المصالح الخاصة، مما أدى إلى السكوت عن مظاهر الفساد بل وممارسته، مما أدى بها إلى السقوط في سلوكيات مريبة وتحالفات مشبوهة غير مبررة.

كل هذه السلوكيات خلقت لدى المواطنين أزمة ثقة بالسياسة والسياسي وكراهية وتحقير بهما واعتبار أن أي مخرجات حول الإدارة والإصلاح من قبل الحكومة لن تنجح لأنها تصطدم بالكتل السياسية الباحثة عن إعادة التموضع والتموقع والبحث عن مواقع وأدوار سياسية جديدة.

ولهذا وضع النظام السياسي بهذه الصيغة عقبات وتحديات أمام الحكومات المتعاقبة ومنها الحكومة الحالية برئاسة عادل عبد المهدي ومن أهم هذه التحديات:

1- تحدي المسألة الاجتماعية المتمثلة في ما آلت إليه الأوضاع في العراق من مستويات التدني والتدهور وازدياد مؤشرات الفقر والتهميش وتراجع الدخل الفردي ومستويات العيش بكل المجالات الخاصة بالتنمية البشرية. وأيضا البطالة واتساع مدياتها فتزايدت احتجاجات الخريجين بشكل لافت وصلت إلى حد الاعتصام المفتوح، حتى أن المرجعية الدينية حذرت من منزلقات خطيرة إذا لم تستوعب الدولة الشباب العاطلين عن العمل.

2- تحدي المسألة الاقتصادية المتمثلة بعدم ارتفاع أسعار النفط، كما كان الكثير يراهن على ذلك، إضافة إلى تزايد نفقات الدولة المتضاعفة وشحة الإيرادات وعدم القدرة على خلق بدائل اقتصادية ونقدية وإنتاجية مستدامة، مما جعل العراق رهينا لسياسات صندوق النقد الدولي وتضاعف الجهات الدائنة والمقرضة للعراق بفوائد مرتفعة.

3- تحدي مبارزة الفساد بكل أشكاله وعوامله وامتداداته، إذ تجاوز الفساد المجال السياسي إلى الفضاء المجتمعي العمومي بشكل غير مسبوق الأمر وترتبت عليه تبعات وعواقب سلبية خطيرة، فرغم تعهد الحكومة الحالية بمجابهة الفساد وتأسيس المجلس الأعلى لمكافحة الفساد إلا أن كبار الفاسدين لم يحاسبوا، ولازال الحديث عن هدر الأموال قائما، وعدم تنفيذ المشاريع وانجاز البنى التحتية وتحقيق الرفاهية العامة بعيدة.

4- تحدي تجديد وتحديث إصلاح أساليب ومؤسسات وآليات وقوانين إدارة الشأن العام، مما يحتاج إلى عقلنة مختلف أنماط المشاركة والشراكة وتنفيذ السياسات العامة والقرارات وفق أساليب وقوانين إدارية جديدة وحيادية وفاعلة، فمثلا لم تنجز الحكومة مشروعات قوانين تخدم المواطن العراقي، فعلى سبيل المثال مشروع تعديل قانون انتخابات مجالس المحافظات الذي كرس صيغة سانت ليغو المعدلة، وقبله مشروع قانون الموازنة المالية الذي وضع امتيازات كبيرة لأطراف على حساب أطراف أخرى مع وضع جهات اقتراض عديدة ورغم ضخامة الموازنة إلا أنها حرمت الخريجين من التعيين ولم تطلق المشاريع التنموية لغاية الآن.

5- تحدي حصر السلاح بيد الدولة، إذ لازالت هنالك جماعات وجهات وبعض الأحزاب مسلحة ولم تسلم سلاحها للدولة، ولا زالت العشائر تمتلك السلاح ولا زالت الشركات الأمنية الأجنبية نافذة وفاعلة في العراق، وهذا يؤشر إلى ضعف القانون واستهداف هيبة الدولة ومؤسساتها وفرض الأمر الواقع.

6- تحدي تراجع الأداء الإنجازي لبعض لوزراء بسبب وصولهم لمواقعهم بفعل نظام المحاصصة، مما عرض حكومة عادل عبد المهدي إلى تحديات استكمال الكابينة التي ينقصها وزير التربية لغاية كتابة هذه السطور، وتحديات استجواب بعض الوزراء وسحب الثقة منهم وعدم قناعة رئيس الحكومة نفسه بأداء بعضهم، وأيضا تحدي سحب الثقة من رئيس الحكومة نفسه.

7- تحدي التدخلات الخارجية وعدم احترام سيادة العراق، فلا زالت بعض القوى الإقليمية والدولية تتدخل في الشأن السياسي والأمني العراقي، بل وصل الحال إلى إنتهاك السيادة العراقية وأجواءه بشكل علني وسافر، وبدأت تتحدث بعض المنابر الإعلامية لتلك القوى عن ضرورة اختيار الحكومة العراقية الوقوف معها ضد قوى أخرى، وبخلافه يرفع الدعم أو يتم التدخل لإنجاز هذا المطلب.

آفاق التجاوز:

ولغرض تجاوز هذه التحديات لا يمكن للحكومة لوحدها أن تضع آفاق حلول دون أن تسهم القوى السياسية بتثبيت تلك الآفاق ومنها:

1- على الكتل السياسية والحكومة أن يعملا على تجاوز أوضاع التشرذم والخلافات غير المجدية، وأن تُطور تجربة المعارضة البناءة الواضحة لا المعارضة التي تفاقم تقسيم المقسم وتجزئ المجزأ، فالمعارضة يجب أن تسعي نحو تشكيل أقطاب سياسية مرجعية توجه العمل السياسي فكرا وممارسة للتمحور حول توجهات وبرامج ومشاريع سياسية فاعلة مع ضرورة إقامة ذلك على أساس حوار سياسي وطني حقيقي نابذ للإقصاء والخضوع للحسابات السياسية الضيقة والأفكار المحدودة.

2- تجاوز الإنقسام يشكل أرضية صلبة لتنضيج عمل البرلمان بشكل منتج وحكومة متماسكة وقوية، قادرون معا على إستثمار سياسي عقلاني للهوامش والفراغات التي خلفها النظام السياسي والعمل في ظل ديناميكية سياسية فعالة ومتواصلة لأداء مهامها بشكل أمثل وامتلاك زمام المبادرة والتدخل لخلق الفرص واجتراح البدائل والحلول وتجاوز العقد والحدود والحواجز المعيقة للتنمية السياسية والمؤدية إلى السقوط في منزلقات الإحباط.

3- يتطلب الوضع الراهن وضع هياكل وفعاليات وثقافة سياسية وممارسات موجهة للمصلحة العامة تعيد الاعتبار للسياسة التي تتهم دوما في العراق بالرداءة والأزمات الخانقة وانسداد الآفاق، وتستعيد ثقة المجتمع بها بحيث تكون السياسة ولادة للحافز والقدرة وخلق الأمل بمستقبل إيجابي واعد، وهذا يحتاج نخبا وقادة أحزاب واعية وقوية.

4- إن أهم أسباب ديمومة تحديات الحكومة الناتجة من أزمة النظام السياسي هو عدم امتلاكها والقوى السياسية لمشاريع الإصلاح والتغيير وعدم امتلاكها تصورا وافيا واضحا للمواطن ومعاناته الذي يعد الدعامة الأساسية لكل ديمقراطية.

5- على الحكومة والقوى السياسية أن تنحو بإتجاه إقامة قطيعة عميقة مع أشكال الفساد والعلاقات والممارسات التقليدية المتآكلة، وأن تسعى إلى الاجتهاد من أجل التأسيس لثقافة سياسية حداثوية مستوعبة لكل مقومات المجتمع والدولة والركون إلى تقوية النخبة باعتبارها حجر الأساس في أي عملية بناء وإصلاح سياسي.

عدا ذلك، فإن الأمور تؤدي بمسار أوضاعنا السياسية والاقتصادية المتدهورة أصلا إلى استعارة وتكريس التجارب المريرة الفاشلة وإنتاج حالات الدوران في الحلقات المفرغة والارتهان على المستوى الداخلي لإكراهات الفقر والتخلف والعقم الفكري والسياسي القاتل، وإلى ضغوط وعوامل التبعية والخضوع للكثير من مواقع ومراكز القوى المهيمنة والمتنفذة خارجيا، وأظن أن الأزمات السياسية العاصفة في العراق بدأت تدخل في هذين المسارين.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2019Ⓒ
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0