ليس ترفاً أو تعالياً على الواقع حين تناقش مؤسسة مرموقة مثل «مؤسسة الفكر العربي» الحاجة إلى فكر عربي جديد. ويبدو أن مثل هذا الأمر يصبح أكثر إلحاحاً، بل وضرورة ماسة في ظل الفجوة الرقمية والمعرفية التي يعيشها المجتمع العربي، في حين يشهد العالم الثورة الصناعية الرابعة، وهو ما يحتاج إلى جهد معرفي وإرادة واعية وحوار مفتوح، تساهم فيه النخب الحاكمة وغير الحاكمة من مفكرين وأكاديميين وعموم المثقفين هدفه رسم الملامح الأولية لتجاوز الواقع الراهن ووضع المستلزمات الضرورية لإنتاج فكر عربي جديد من خلال الاستثمار في الإنسان.

ويتطلب ذلك رفع درجة التحدّي واستفزاز العقل للتفكير فيما هو به من أزمة إنسانية على جميع المستويات، ولعلّ تلك المقاربة كانت الخلفية الفلسفية للاجتماع الاستشاري الذي نظمته «مؤسسة الفكر العربي» والندوة التي أقامها على هامش أعماله مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بالتعاون معها في القاهرة.

ولأن الفكر انعكاس للواقع، فلا بدّ من مناقشة الواقع، خصوصاً وهو يؤشر إلى فشل تجارب الأحزاب العقائدية والمذاهب الشمولية والأنظمة الاستبدادية والدكتاتورية بمختلف مسمّياتها وتوجهاتها اليمينية واليسارية، الدينية والمدنية، على خلفية تجارب الماضي الخائبة وأوضاع الحاضر البائسة وتحديات المستقبل الغامضة، والهدف هو استشراف أفق جديد لبناء فكر جديد، لاسيّما بعد انسداد الآفاق، بل والانغلاق الذي تشهده الساحة الفكرية، الأمر الذي يتطلّب:

أولاً- تشخيص الحالة ومعرفة أسباب العلّة، وثانياً- الاعتراف بها والإقرار بواقعها، وثالثاً- البحث في مظاهرها وأشكالها، ورابعاً- دراسة السبل الكفيلة لمعالجتها وتطويق آثارها لتجاوزها، وأخيراً -خامساً- وضع المستلزمات لإيجاد فكر عربي جديد يتساوق مع روح العصر ويستجيب للتطورات العلمية والتكنولوجية الحاصلة في العالم.

ومثل هذه الحاجة التي يتم تأكيدها هي انعكاس لواقع الحال حيث تشهد مجتمعاتنا العربية تهديدات تتعلق بالوجود والهويّة بما فيه اللغة، لاسيّما محاولات تخريب الدول الوطنية وضعضعة وحدتها وتفتيتها تمهيداً لتقسيمها وانشطارها، خصوصاً باندلاع حروب أهلية ونزاعات داخلية وانفجار عصبيات دينية ومذهبية وطائفية وإثنية، يضاف إليها تخريب نفسي وأخلاقي، خصوصاً في منظومة القيم الإنسانية وتدهور في مستوى التعليم واستمرار تفشي الأمية واستشراء مظاهر التخلّف وشيوع التعصّب والتطرّف والعنف والإرهاب بترابطاتها العضوية، مع تراجع معدلات التنمية وشحّ الحريات والإقرار بالتنوّع.

وحتى الآن لم يتبلور نموذج عربي يمثل معايير الحد الأدنى المقبول عربياً ليتم التنسيق والتعاون على أساسه، وحتى الكيانات العربية الاتحادية تعرّضت إلى محاولات الإضعاف وواجهتها عقبات وتحديات كثيرة لمنعها من إحداث التراكم والتطور المطلوبين، في حين خطت دولة مثل الصين لبناء نموذجها والانتقال من دولة نامية إلى دولة منافسة للولايات المتحدة وذلك خلال أربعة عقود من الزمان فقط، حيث تحتل اليوم المرتبة الثانية في الاقتصاد العالمي وتزاحم بكين واشنطن في سباق محموم على الزعامة.

كل ذلك يتطلب مراجعة المفاهيم والأفكار السائدة بعقل مفتوح ومتحرر ليتم ردم الهوّة العميقة والشاسعة بيننا وبين العالم، خصوصاً أن أسئلة النهضة الأولى التي رفع لواءها مصلحون ودعاة تغيير في العالم العربي ظلّت تدور حول الحرية والتنمية والهويّة، وهو ما يدعونا لاستعادة عنوان كتاب شكيب أرسلان «لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟»

لقد دخل العالم اليوم عصر الثورة الصناعية الرابعة التي تقوم على «الرقمنة» والذكاء الاصطناعي بما حمله ذلك من تغييرات على توازن القوى الاقتصادي وما سيتركه على المستوى السياسي، فيما يتعلق بالثروة والموارد والتنمية البشرية، وتصدّعت إلى حدود كبيرة جميع النظريات والأيديولوجيات التي قامت في القرنين الماضيين، ولم تعد قادرة على مواكبة التطور في ظلّ التحديات التي طرحتها الثورة الصناعية الجديدة، الأمر الذي يحتاج إلى مراجعة للفرضيات والمسلّمات فيما يتعلق بالمفردات والتفاصيل الاستراتيجية والتكتيكية، وبالغايات والوسائل.

إن الوسيلة جزء من الغاية، ولا وجود لغايات شريفة وعادلة دون وسائل شريفة وعادلة، وإذا كانت الوسائل محددة ومعروفة وراهنة، فالغايات بعيدة المدى وغير ملموسة أو غامضة، وبفشل الوسائل ستكون النظرية قد وصلت هي الأخرى إلى طريق مسدود، وحسب المهاتما غاندي، فإن الوسيلة إلى الغاية هي مثل البذرة إلى الشجرة، لا يمكن فصلهما لأن علاقتهما عضوية.

لقد وضعت «مؤسسة الفكر العربي» حزمة الآراء والأفكار هذه في سياق أسئلة أمام أهل الفكر والمثقفين العرب من أجل إعمال العقل في عصر ما بعد المعرفة كجزء من طموحها لقيام عالم عربي آمن ومستقر ومزدهر وعادل ومبدع، ويبقى السؤال من أين نبدأ؟ وهو ما سيناقشه مؤتمر «فكر- 17» الذي سينعقد في الظهران حيث ستلتقي فيه نخبة متميزة من المعنيين والعاملين في الحقل الفكري والثقافي والعلمي والأدبي لوضع خريطة طريق هدفها إثارة وعي أصحاب القرار بالقضايا الجوهرية التي تواجه عالمنا العربي وفتح النقاش والحوار حولها لاجتراح حلول جديدة تتناسب مع متطلبات الثورة الصناعية الرابعة.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0