يكاد يجمع المراقبون على أن العراق سيتأثر بصورة مباشرة بأي نزاع عسكري بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، خاصة في ظل وجود أطراف في إدارة ترامب تدفع باتجاه الحرب كدعوات جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي، لذا فالسؤال الأهم هنا: ماهو موقف العراق من التوتر الأمريكي - الإيراني المتصاعد خلال الأيام الماضية؟

وبحكم المسببات السياسية والاجتماعية والجغرافية التي تربط بين إيران والعراق، يمكن تحديد موقف العراق من النزاع المذكور بالنقاط الآتية:

أولاً: الموقف العراقي من التوتر الأمريكي - الإيراني

اتسم الموقف العراقي الرسمي المتمثل بالحكومات العراقية المشكلة بعد تغيير النظام السياسي السابق من قبل قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بعلاقات وطيدة مع الولايات المتحدة الامريكية والأمر ذاته في علاقته مع إيران، مما عمق من تعقيد موقف العراق من التوترات الحاصلة بين أمريكا وإيران خاصة إذا ما سار التوتر باتجاه الحرب بين الطرفين، فهنا حتما سيتأثر العراق بهذا الصراع وعلى كل المستويات وفي مقدمتها المستوى الأمني.

ففي العراق هناك قوى سياسية نافذة لديها علاقات فوق الاعتيادية مع إيران، وإذا ما وجهت الولايات المتحدة ضربة عسكرية لإيران فسيكون لها موقف مختلف، و(سيناريو الحرب) وإن كان مستبعدا لكن الولايات المتحدة هددت عدد من المرات على لسان مسؤوليها أنها سترد على أي تهديد ضد مصالحها في المنطقة، من هنا تدرك الحكومة العراقية هذا البعد.

وإذا ما حللنا مواقف وبيانات الحكومة العراقية سنجد أنها ترغب في أن يتوصل الطرفان إلى حلول دبلوماسية في تسوية الخلافات بينهما، وهذا ما أكده عادل عبد المهدي رئيس الحكومة على أن حكومته تتصل بكلا الدولتين من أجل تجنب أي نزاع عسكري، فهناك تأكيد من الجانب العراقي الرسمي بخطورة التوتر بين أمريكا وإيران وتأثير هذا الخطر على الأمن الوطني والاجتماعي في العراق، إذ ان العراق يقع في خط التماس مع إيران، وبعد الرسائل التي جاء بها وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو من ضرورة قيام الحكومة العراقية بتوفير الحماية للدبلوماسيين والعاملين الأمريكان في العراق، وضمانة عدم التعرض للقوات الأمريكية في العراق، حيث يقدَّر عدد القوات الأمريكية في العراق بنحو (14 ألف) مقاتل موزعين على ثمانية قواعد، بحسب لجنة الأمن والدفاع النيابية يتركز قسما كبيرا منها في الأنبار، والموصل، وإقليم كُردستان، وأكد بومبيو على ضرورة أن يكون العراق بموقع الحياد في أي صراع مع إيران.

في ضوء ذلك، ترغب الحكومة العراقية بتهدئة التوتر ولعب دور الوسيط بين الطرفين لحل فتيل التوتر وبذلك فهي تواصل (الحكومة العراقية) مع قوى سياسية متنفذة حواراتها مع السفارة الأمريكية في بغداد، بخطّين: الأول يهدف إلى حصول العراق على استثناءات في استيراد الغاز والطاقة الإيرانية، والثاني لتقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران.

ثانياً: موقف القوى العراقية من التوتر الأمريكي الإيراني

يعد موقف القوى العراقية من أحزاب وتيارات سياسية ومجموعات مسلحة الأكثر حضوراً وترقباً حول توتر العلاقة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإيرانية، ويمكن أن نحدد القوى الشعبية في العراق على قسمين:

القسم الأول: القوى السياسية والمجموعات المسلحة التي لها علاقة متينة مع إيران وتحظى بدعمها سياسيا وعسكريا في إطار ما بات يعرف بمحور المقاومة، وهذه القوى بقدر تحالفها مع إيران فإن لها موقفا متحفظا من الوجود الأمريكي في العراق، وبالرغم من الصعود السياسي لقوى تحالف الفتح بزعامة هادي العامري بعد الانتخابات النيابية في منتصف عام 2018 أثر المقبولية الشعبية التي حظيت بها بعد خوضها معارك عدة ضد تنظيم داعش الإرهابي، فإن بعض قوى تحالف الفتح كالعصائب بقيادة قيس الخزعلي قد تكون طرفاً سياسياً في أي صراع محتمل وهي تدرك أن الولايات المتحدة تسعى لاستخدام هذه القوات الموجودة على الأراضي العراقية في توجيه ضربات محتملة إلى إيران، أو توجه ضربات إلى هذه القوى كتهديد تعده الولايات المتحدة يهدد مصالحها في العراق، وهنا قد يكون هذا السيناريو الأكثر خطرا على الأمن الوطني العراقي وتداعياته اقتصاديا وسياسيا.

أما القسم الثاني: من القوى غير الرسمية، الجمهور المستقل ونخب سياسية ودينية واجتماعية التي تشعر بعدم عدالة التصعيد الأمريكي اتجاه إيران، والملفت أيضا أن القوى المصنفة خارج مشروع المحور الإيراني هي بالضد من أي توجه عسكري أمريكي ضد إيران، مثلما صرح مقربون من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، ودعا عمار الحيكم حليفه في تحالف الإصلاح والإعمار إلى وساطة عراقية بين الولايات المتحدة وإيران، وتخفيف حدة التوتر بينهما، مشدداً على أن يتخذ العراق المواقف المسؤولة لتجنب الكارثة وأن ينتقل من سياسة الوسط إلى سياسة الوسيط الذي يسعى لتخفيف حدة الصراع في المنطقة.

في حين لم تبدي المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف أي موقف لغاية الآن وربما هي الأخرى تراقب الوضع، وإذا ما ارتفعت حدة التوتر أكثر فمن المتوقع سيكون لها موقف يدعو إلى تفضيل الخيارات الدبلوماسية كخيار عقلاني بدلا من اللجوء إلى الحرب في حل الخلافات على اعتبار أن المرجعيات الدينية السابقة سرعان ما يكون لها مواقف رافضة للتدخل الأجنبي في شؤون الدول العربية والإسلامية.

كما تراقب القوى السنية والكُردية التوتر المتصاعد بحذر، لا سيما بعد تهديد إيران على أن أي استخدام عسكري أمريكي من أراضي إقليم كُردستان سيواجه برد عنيف حسب ما أشارت وزارة الدفاع الإيرانية.

ومما تقدم، فإن الهواجس من خطورة التوتر الأمريكي الإيراني على العراق، تبدو جلية لأسباب جيوسياسية وجيوجغرافية، وهناك انزعاج عراقي من خطورة تصاعد هذا التوتر، ومن المفيد الإشارة إلى غياب الخطط العراقية التي من الممكن أن تجنب العراق شرارة أي مواجهة عسكرية، فهناك خشية حقيقة من أن تتطور إلى مواجهة عسكرية، وهي باعتقادنا لا تزال (المواجهة العسكرية) مستبعدة لغاية كتابة هذه المقال.

أما التصعيد الذي تشهده منطقة الخليج باستقدام تقنيات ومعدات عسكرية، قد تدخل من باب الردع وإجبار إيران باللجوء إلى التفاوض مع الولايات المتحدة بشروط جديدة، إضافةً إلى ما أسمته إدارة ترامب بحماية المصالح وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة لاسيما في منطقة الخليج المحاذية لإيران حيث كبرى الشركات النفطية الأمريكية والقواعد العسكرية، كما أن هناك عوامل أخرى تقف عائقا أمام أي مواجهة عسكرية مباشرة بالرغم من الضغط الذي يمارسه نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي وأجنحة متطرفة داخل دائرة الرئيس دونالد ترامب كجون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي اتجاه المواجهة العسكرية، منها سيطرة إيران على المياه الدولية، ومنها مضيق هرمز وتهديدها المباشر للأمن القومي والاقتصادي لدول الخليج.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2019Ⓒ
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1