في العالم شعوباً مرت بتجارب نهضوية وتنموية وبنجاح مكنتها من قفزات هائلة في الصناعة والزراعة والانتاج ثم التصدير وخوض الاسواق العالمية بكل ثقة واقتدار، وهي تحمل معها جراح غائرة في روحها وكرامتها بسبب حروب خاضتها، بغض النظر عمّن كان المسؤول عنها، لان النتيجة؛ أنها الضحية والذي يدفع الثمن قبل الحكام، وبشكل لا يرحم، ولذا نجد التسالم والاتفاق المبدأي على التسامي فوق الجراح، والتطلع نحو المستقبل، والبحث عن سبل التغيير والتطوير والابداع لخلق واقع جديد.

ولكن؛ هل يعني هذا أن الشعب الصيني، والشعب الكوري، والشعب الروسي، ممن ذاقوا ويلات الحرب العالمية الثانية، يمحون ذكريات الغزو الجيش الهتلري في اوربا، والجيش الياباني في شرق اسيا، وما كان يجري في معتقلات الموت والاستعباد والاغتصاب، وكأن شيئاً لم يكن؟!.

إن عدم اشترار الماضي، وعدم التفكير في الانتقام، من لوازم التفرّغ لطلب العلم، واكتساب التجارب من كل مكان، وإطلاق مشاريع العمل والانتاج في الميادين كافة، لان نجاح الاقتصاد –كما هو معروف- يحتاج الى استقرار تام، اضافة الى الجانب السياسي والامني، فهو يحتاج الى استقرار اجتماعي ونفسي لا استغناء عنه، بيد ان الرصيد الأهم لدى كل أمة، والذي يمثل قاعدتها الحضارية، وهويتها وانتماءها؛ هو التاريخ الخاصّ بها، وإلا لتحول الانسان الروسي او الصيني او الالماني الى عتلة صغيرة صمّاء في ماكنة الاقتصاد، وهذا ما لا ترتضيه الدول ذات العمق الحضاري، فهي لا تساوم على كرامة ابنائها مهما تغيرت الظروف والاحوال.

هذه المقدمة سقناها لتسليط الضوء على مسار العلاقات السعودية –العراقية المتطورة بشكل متسارع هذه الايام، فبعد الوفد الاقتصادي الضخم الذي وصل العراق، والمبادرات السعودية بإنشاء مجتمع رياضي في بغداد، وافتتاح قنصلية في مدينة النجف الأشرف، ومشاريع استثمارية عدّة، يستعد رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي لزيارة الرياض الايام القادمة تلبية لدعوة من العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز.

هذا التسارع في وتيرة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين البلدين، مما لا يشك متابع موضوعي في أهميتها على الصعيد الاقليمي والدولي في آن، لحاجة العراق الى التوازن في العلاقات الدبلوماسية مع دول الجوار أولاً؛ ثم النأي بالعراق عن أي استقطاب دولي في ضوء الصراع على النفوذ في المنطقة، وليكون العراق واحة الأمان ونقطة الالتقاء بين الجميع، بعد أن أمضى ردحاً طويلاً من الزمن في حروب استفادت منها جميع الاطراف طيلة حوالي اربعين عاماً.

بيد أن المهم ايضاً؛ والذي يعزز هذا الدور المحوري للعراق؛ استعادته لكرامته وشخصيته وهويته امام الجميع، من خلال مراجعة ما جرى على أهل العراق من ويلات ومحن بسبب سياسات خاطئة ارتكبتها السلطات السعودية طيلة الخمسة عشر سنة الماضية، حتى بات من المؤكد وغير القابل للتشكيك دور الاموال السعودية في تغذية العمليات الارهابية التي جرت في العراق منذ الايام الاولى لسقوط الطاغية صدام عام 2003، بشكل مباشر او غير مباشر، تحت مسميات عدّة، آخرها كان ما يعرف بتنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش)، والذي بدأ بتنظيم الدولة الاسلامية في العراق عام، والذي كان يحبو الى جانب تنظيم القاعدة الذي كان يصول ويجول في الميدان بزعامة ابو مصعب الزرقاوي.

لا أجد القارئ الكريم بحاجة الى كثير من الارقام والمعلومات بهذا الشأن بعد الاعترافات التي بثها التلفزيون العراقي لارهابيين سعوديين اعتقلوا قبل تنفيذ عملياتهم الارهابية، او الاشارة الى فتاوى التكفير، ومنابر التعبئة الطائفية في عديد المدن السعودية، بل وحتى جمع التبرعات بشكل علني لدعم تنظيم داعش، يكفي الاشارة الى مقابلة تلفزيونية أجرتها قناة "المجد" المدعومة سعودياً، وذلك في عام 2008، مع شاب سعودي يرقد في المستشفى بعد عودته الى بلاده بشكل غريب، وهو يتحدث عن مشاركته في تفجير صهريج وسط منطقة سكنية بالعراق، وقد تم اعتقاله من قبل الاجهزة الامنية، ولكنه وجد طريقه فيما بعد الى بلاده وأهله!

ان زيارة رئيس الوزراء العراقي الى السعودية ستأخذ طابعاً اقتصادياً، ربما بالدرجة الاولى، بدعوى توسيع نطاق الاستثمار في العراق بأموال سعودية، بيد أن هذا لا يرقى ابداً الى إلغاء التاريخ لانه من لوازم الثقافة والهوية، فما حصل خلال السنوات الماضية من سفك للدماء بشكل مريع، وتعرض آلاف العوائل العراقية الى الترمّل واليتم والضياع والضغوط النفسية والمادية، لا يمكن التغاضي عنه مهما كانت الاسباب، الامر الذي يستدعي طلب الاعتذار الرسمي من الحكومة السعودية، ومن شخص الملك نفسه، على ما اقترفه مواطنون من بلده، يعدهم ابنائه، كما هو التعبير الدارج في الخطاب الاعلامي للاستهلاك الداخلي. وفي مرحلة لاحقة يُصار الى تقديم تعويضات لكل أرملة فقدت زوجها في التفجيرات الانتحارية والسيارات المفخخة، وكل أسرة فقدت معيلها في تلكم العمليات الاجرامية التي ربما لم يشهد لها التاريخ السياسي الحديث نظيراً لها في بشاعتها وعدد الضحايا التي حصدتها.

قرأت تقريراً في تسعينات القرن الماضي عن العلاقات بين اليابان وكوريا الجنوبية، وكيف أن اليابان طلبت بإلحاح شديد من كوريا الجنوبية إلغاء فقرة في مادة التاريخ بالمدارس تشير الى فضائع الحرب العالمية الثانية، وما قام به الضباط اليابانيون من اغتصاب لحوالي مائتي ألف امرأة كورية، وهذه الذكرى المؤلمة لا يبرح الطلاب الكوريون يتداولونها ويدرسونها في مادة التاريخ على مدى جيلين كاملين (ستين عاماً) بعد الحرب، وكان كوريا الجنوبية ترفض الطلب دائماً، لان القضية كانت تمثل جزءاً من الهوية والكرامة الانسانية المهدورة للانسان الكوري، وبعد مباحثات مطولة، وتقديم اعتذار رسمي، مع تعويضات هائلة، وافق البرلمان الكوري الجنوبي على حذف هذه الفقرة من المادة الدراسية. علماً أن كوريا الجنوبية، دولة متقدمة صناعياً، وقد تجاوزت جراحها ومآسيها، ولكن؛ لم تنس تلكم الجراح الغائرة في نفوس ابنائها، حتى وإن بلغت النسوة سن الشيخوخة، فالابناء والاحفاد لهم كل الحق في استعادة كرامتهم من الجناة المعتدين.

إن الحفاظ على الكرامة الانسانية وحقوق المواطنين، ليست مهمة شخص رئيس الوزراء، او مسؤولين حكوميين وحسب، وإنما هي مسؤولية دوائر الضغط الفاعلة في عراق يفترض ان يكون ديمقراطياً تنشط فيه المؤسسات الثقافية والدينية، مستفيدين من أجواء الحرية. فالاعلام والسوق، والتشكلات النقابية والتنظيمات السياسية، وايضاً الحوزة العلمية ومؤسساتها الثقافية والشخصيات المؤثرة في المجتمع والدولة، كل هؤلاء لهم الدور المؤثر في الضغط على الحكومة، وعلى شخص عادل عبد المهدي لأن لا يجلس على مائدة الدم مع المسؤولين السعوديين، عندما يجري الحديث عن الاستثمار في السياحة والصناعة، والنقل، ومعظم هذه الاستثمارات يكون فيها العراقي مجرد مستهلك، والسعودي هو المستفيد من المال العراقي الوفير.

إنها فرصة العراق التاريخية والذهبية مع السعودية للضغط عليها في وقت حاجتها الى تجربة سياسية واقتصادية ناجحة بعد مسلسل الهزائم في المنطقة، فبالامكان فتح صفحة جديدة من العلاقات، ولكن؛ بعد تنظيفها من الدماء والاشلاء والآهات التي تجرعها ابناء العراق، وإن كان من المستحيل ذلك، إنما المهم الاقرار بالذنب يخفف من وطأة آثار الجريمة على صفحات هذه العلاقات.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0