في عام ١٩٥٨ قامت الجمهورية العراقية وقبلها بأشهر كانت ماليزيا قد نالت استقلالها عن بريطانيا. في عام ٢٠١٩، اي بعد حوالي ستين سنة، حققت ماليزيا ما لم يستطع العراق تحقيقه، كما يبين الجدول أعلاه. لماذا؟ اين يكمن السبب؟ بل ان يكمن الخطأ في الفشل العراقي، وأين يكمن الصواب في النجاح الماليزي.

نطرح هذا السؤال مع علمنا بأمرين وهما:

اولا، ان حجم الانجاز الماليزي ليس في الدرجة الاولى عالميا. فكما توضح الارقام الواردة في الجدول المرفق مع هذا المقال فان هناك دولا عديدة سبقت وتفوقت على ماليزيا في سلم النجاح.

ثانيا، ان ماليزيا مثلها مثل العديد من الدول الاخرى تشهد وتعاني من قضايا فساد معروفة وكبيرة.

لكن هذا لا يمنع من النظر في اسباب وعوامل النجاح الماليزي.

ثمة حزمة من العوامل والاسباب التي قد يكون تظافرها واجتماعها هي وراء النجاح الماليزي وقد يكون غيابها من اسباب الفشل العراقي.

اليكم هذه الاسباب:

اولا، الاستقرار السياسي:

استقلت ماليزيا في عام ١٩٥٧، وبعد تفاصيل ليس من مهمة هذا المقال التعرض لها، حققت استقرارا سياسيا مازال مستمرا حتى الان. فقد أقام الماليزيون دولة اتحادية ملكية انتخابية دستورية ديمقراطية برلمانية تدير شؤونها حكومة اغلبية سياسية مع وجود معارضة برلمانية وأحزاب عابرة للمكونات العرقية والدينية.

لم تشهد ماليزيا اضطراباتٍ سياسيةً داخليةً كبيرة ولا خاضت حروبا خارجية، ولا انقلاباتٍ عسكريةً او ثورات شعبية، فمع وجود الملك المنتخب كل خمس سنوات، توالى على منصب رئيس الوزراء، حيث السلطة الفعلية، ستة رجال تداولوا السلطة بطريق سلمي سياسي ديمقراطي انتخابي سلس. وكان ابرزهم رئيس الوزراء الأسبق مهاتير الذي حكم ماليزيا حوالي ٢٠ سنة واليه تنسب نهضتها الحالية.

واتبعت ماليزيا الديمقراطية الغربية بصيغتها القريبة من الصيغة البريطانية (نموذج ويستمنستر) ، وليس الديمقراطية التوافقية، حيث يتنافس على الحكم وأصوات الناخبين تحالفان سياسيان كبيران عابران للخطوط العرقية والدينية، حيث توجد ثلاثة مكونات عرقية اساسية هي الملاويون والصينيون والهنود، واربع ديانات هي الاسلام والمسيحية والهندوسية والبوذية.

في البداية كانت الاحزاب السياسية تعبر عن مصالح المكونات الثلاثة لكن القيادة السياسية للبلاد ممثلة برئيس الوزراء في حينها تانكو عبد الرحمن تمكنت من إقناعها بالعمل في جبهة واحدة وتم تشكيل حزب الاتحاد الذي يضم الاحزاب الرئيسية للمكونات الثلاثة وقام الاتحاد على اساس المبادئ التالية: الديمقراطية الغربية، التعاون مع الكومنويلث البريطاني، التعاون بين المكونات الثلاثة، التخطيط لتحقيق التنمية. وبذا انفتح الطريق امام حكومة الأغلبية السياسية العابرة للخطوط العرقية والدينية.

وطبقت ماليزيا نظام الانتخاب الفردي وليس الانتخاب بالقائمة.

ويشكل القادة السياسيون الذين تعاقبوا على منصب رئيس الوزراء جزءاً من البيئة السياسية المستقرة التي هي من اسباب النهضة الماليزية. فقد كان هؤلاء رجال دولة على مستوى الوطن وليسوا رجال سلطة على مساحة مكون او حزب. ومن ابرز هؤلاء مهاتير وكان أنموذج رجل الدولة صاحب الرؤية البعيدة والفكر الثاقب. لكن ليس من الصحيح تفسير النهضة الماليزية بالعامل الفردي والشخصي، فان الفرد مهما كان فانه يعمل ضمن بيئة سياسية واجتماعية توفر له فرص النجاح او تحكم عليه بالفشل. وقد تولى مهاتير السلطة بعد اكثر من عشرين عاما من استقلال البلاد ليجد ارضية صالحة للنهضة أرسى أسسها وقواعدها من سبقه الى تولي المنصب.

كل هذه العوامل ساعدت على اقامة دولة مواطنين وليس دولة مكونات، وأسفرت عن ترسيخ شعور بالمشاركة السياسية الفعلية والحقيقية في شؤون الدولة والسياسة ومكاسبها الاقتصادية.

لا يوجد ما تقدم في العراق.

فمنذ تاسيس الجمهورية في ١٤ تموز عام ١٩٥٨ لم يعرف العراق الاستقرار السياسي الداخلي والخارجي على حد سواء.

تعاقب على حكم العراق خلال هذه الفترة ١٠ اشخاص قتل ثلاثة منهم، واسقط الرابع بانقلاب عسكري فيما ازيح الاخر بانقلاب سياسي حزبي داخلي. وبعد عام ٢٠٠٣ تولى الحكم ٥ اشخاص تم تعيين احدهم من قبل سلطة الاحتلال، فيما تولى الأربعة الآخرون الحكم عبر عمليات انتخابية عسيرة جدا، يتبرأ فيها اللاحق من السابق!

على مستوى العلاقات بين الاحزاب السياسية شهد العراق صراعات دموية بين أحزابه هي أشبه ما تكون بالحروب الأهلية بين الاحزاب. فيما كانت الحكومات تخوض حروبا ضد ابناء الشعب، وبخاصة الأكراد، وتمارس سياسات التمييز العرقي والاضطهاد الطائفي.

في هذه الاثناء زج حزب البعث، الذي حكم قرابة ٣٥ عاما، العراقٓ في حروبٍ خارجية ضد ايران والكويت، ونزاعاتٍ دولية استنزفت موارده وثرواته. وبعد الاطاحة بالبعث اصبح العراق ساحة مفتوحة للصراعات الخارجية الإقليمية والدولية. ودخل الارهاب ليشغل الدولة اكثر من ١٠ سنوات عن البناء والإعمار.

وبعد سقوط نظام البعث ارتكبت الطبقة السياسية التي تولت زمام الامور اخطاء تأسيسية قاتلة ادت الى تعذر بناء دولة ناجحة.

ويكفي ان نذكر ان العراق شهد واحدة من اعتى الدكتاتوريات التي عرفها التاريخ على يد صدام حسين ونظامه الشوفيني العنصري الدموي.

وبهذا صار العراق نموذجا للدولة الفاشلة التي يسودها الفساد الذي تفاقم في السنوات الاخيرة على مختلف المستويات.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1