العدالة هي الهدف المركزي الذي تسعى اليه المجتمعات المتحضرة. وبعبارة الفيلسوف الاميركي الراحل جون راولز فان العدالة هي "الفضيلة الاولى للمؤسسات الاجتماعية". او هي قبل ذلك امر الله:"ان الله يأمر بالعدل والاحسان.".

والعدالة هي الحل الضروري لمشكلة اللامساواة الطبيعية، حيث تختلف حظوظ الناس وقدرتهم على العمل والحصول على الثروة وتأمين العيش اللائق لهم.

واذا كان العمل هو الاساس الاول للحيازة والتملك، فان الاختلافات الطبيعية في قدرات الناس العقلية والبدنية والفرص الاجتماعية تؤدي الى التباين في انتاجية كل فرد، وبالتالي تتباين مستويات الملكية والثروة والغنى بين الافراد.

وهنا تأتي المسؤولية الاخلاقية للدولة في اعادة توزيع الثروة في المجتمع لتحقيق العدالة والكفاية والحياة الطيبة لكل انسان عملا بالقاعدة الاخلاقية التي تقول:"وفي اموالهم حق معلوم للسائل والمحروم." وهذا هو منطلق الضمان الاجتماعي الذي يعني مساهمة الاغنياء في توفير العيش اللائق للاقل غنى. وهذا يتم عن طريق الدولة وليس عن طريق الصدقة.

وقد راعى الدستور العراقي هذه المسألة فخصص فصلا كاملا ذكر فيه التزامات الدولة ازاء مواطنيها بصورة عامة، وازاء الفقراء منهم بشكل اخص. كما في المادة (30) التي تقول: "أولا:تكفل الدولة للفرد وللأسرة ـ وبخاصة الطفل والمرأة ـ الضمان الاجتماعي والصحي، والمقومات الأساسية للعيش في حياةٍ حرةٍ كريمة، تؤمن لهم الدخل المناسب، والسكن الملائم. ثانياً :ـ تكفل الدولة الضمان الاجتماعي والصحي للعراقيين في حال الشيخوخة أو المرض أو العجز عن العمل أو التشرد أو اليتم أو البطالة، وتعمل على وقايتهم من الجهل والخوف والفاقة، وتوفر لهم السكن والمناهج الخاصة لتأهيلهم والعناية بهم ، وينظم ذلك بقانون." والمادة (31) التي تقول: "لكل عراقي الحق في الرعاية الصحية، وتعنى الدولة بالصحة العامة، وتكفل وسائل الوقاية والعلاج بإنشاء مختلف أنواع المستشفيات والمؤسسات الصحية."

وغير ذلك.

والعبرة ليست بالنص الدستوري طبعا، وانما بتنفيذ النصوص الدستورية وتحويلها الى حقائق عملية.

لكن انشغال الدولة بامور اخرى، ربما من بينها الاهمال، ادى الى عدم الوفاء بهذه الالتزامات، وظهور فئة كبيرة من الناس تعيش دون مستوى الفقر. وهذه حالة لا يمكن القبول بها، لا انسانيا ولا اخلاقيا ولا دستوريا، ويتعين العمل على معالجتها وفقا للدستور، ذلك لان "الامور الاخرى" مهما كانت لايمكن ان تسوغ اهمال حق الانسان في العدالة والحياة الطيبة والمستوى الكريم من العيش.

ومن هنا تأتي اهمية قيام حراك اجتماعي ضاغط باتجاه تشريع قانون باسم "قانون العدالة الاجتماعية" يترجم المواد الدستورية المتعلقة بهذا الشأن ويضع الحروف على التزامات الدولة والمجتمع معا فيما يتعلق بتحقيق العدالة الاجتماعية.

ويمكن تحقيق الامر من خلال ثلاثة طرق:

اما ان يقوم عدد من اعضاء مجلس النواب بتقديم مقترح قانون العدالة الاجتماعية ليأخذ سياقه التشريعي المعتاد.

او ان يقدم رئيس الجمهورية مشروع القانون.

او ان تقدم الحكومة مشروع القانون.

والطريق الثالث افضل لان القانون سوف تترتب عليه التزامات مالية وفي هذه الحالة يجب ان يكون للحكومة رأي في القانون، حسبما حكمت به المحكمة الاتحادية في قضايا مماثلة.

ويتطلب تنفيذ الجانب المالي للقانون وجود صندوق العدالة الاجتماعية الذي يستقي موارده المالية من التخصيصات الحكومية والضرائب المفروضة على موظفي الدولة والقطاع الخاص باسم ضريبة العدالة الاجتماعية.

ويمكن اشراك المؤسسة الدينية لتوجيه الالتزامات المالية الدينية كالزكاة والخمس والكفارات وغيرها نحو صندوق العدالة الاجتماعية.

ومن الممكن ان يسبق ذلك حراك اجتماعي سلمي وحضاري يستهدف توعية المجتمع الى اهمية العدالة الاجتماعية وحث النواب والحكومة على تبني هذا المطلب.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق
محمد علي
العراق
ما عرفت... هل الدولة مكلفة بتحقيق العدالة؟ أم الجماهير التي يجب ان تضغط لتشريع قانون العدالة الاجتماعية. وقبل ذلك يجب ان نعرف أية دولة هذه التي بامكانها تحقيق العدالة الاجتماعية.2019-02-06

مواضيع ذات صلة

0