في سبعينيات القرن الماضي، حيث كنا صبيانا، اخبرني صديقي ابن جارنا في مدينة (الثورة)، الصدر حاليا، بأن شقيقه طلب منه الذهاب الى خياط يعرفه ليخيط له قميصا، لمناسبة العيد، وكان صديقي سعيدا جدا، لما لارتداء القميص الجديد من نشوة، لاسيما لابناء الفقراء في العيد! ذهب صديقي في اليوم التالي الى الخياط الذي يقع محله او المحل الذي يعمل فيه، في قطاع قريب نسبيا من القطاع الذي نسكنه، وكم كانت فرحته كبيرة حين وافق الخياط، وقال له ان القميص سيكون جاهزا بعد ثلاثة ايام، او قبل العيد بيوم واحد، لكن الخياط اوصاه بان يخبر شقيقه بالوفاء في الوعد، وكانت هذه كلمة سر! لم يشغل الصديق نفسه بها، لانها جزء من لعبة كبار لا علاقة له بها، وكان عليه ان يخبر شقيقه عندما يعود الى البيت بما قال له الخياط، ولما اخبر شقيقه بما قاله له الخياط، رد عليه الاخير بان يعود الى الخياط ويقول له، لقد توافينا في جلسة السبت الماضي! وحتى الآن وصديقي المسكين لا يعرف شيئا مما يدور بين الخياط وشقيقه، وقد ظن ان الامر غير مهم بالنسبة له، وان همه الوحيد هو الحصول على القميص، لكنه ايضا ذهب الى الخياط، واخبره بما قاله له شقيقه، فرد عليه هذا بان يعود الى شقيقه ويقول له، ليعتبر جلسة السبت هي آخر شيء بيننا! فوخزت هذه العبارة قلب الصديق، الذي لمس فيها من وجه الخياط الذي بدا عليه بعض الغضب ايضا، ان هناك شيئا، قد يكون القميص المنتظر ضحية له.. حل العيد والصديق كلما يذهب الى الخياط يقول له، قل لأخيك بما قلته لك وان عليه ان ينفذ، ويعود صديقي المسكين لشقيقه، ليرد عليه الرد السابق نفسه حتى انتهى العيد، وضاعت معه فرحته، ولم يعد صديقي يهتم كثيرا لأمر القميص الذي غدا حكاية وذكرى.

لم يكن صديقي المسكين يعرف وقتذاك، ان السبت الذي صار محور الحكاية، كان يوما لصفقة صغيرة ، خسرا فيها معا، الخياط وشقيقه، سبقتها جلسة سمر، وقد ادعى كل منهما بعد الخسارة انه اعطى لصاحبه مبلغا من المال، وقد عرف صديقي هذا فيما بعد، او بعد مضي سنين طويلة مثلما عرف خلالها ايضا الكثير من الطرق السرية التي كان شقيقه والخياط وغيرهما يسلكونها، لكن حكاية القميص الضحية، ظلت عالقة في ذهنة، يتذكرها كلما رآني وجلسنا لنستعيد حكايات تلك السنين الجميلة التي مرت ولن تعود ابدا.

في الآونة الاخيرة، خف الحديث عن الموازنة (المنسية)، بعد ان استعصت على الخروج من البرلمان، لاسباب ظل يسوقها كل طرف ليدين بها الطرف الآخر، وكان الشعب يمني النفس بان تخرج الموازنة من البرلمان في بداية العام، لاسيما ان الانتخابات انتهت وانتفت اسباب استخدامها للدعاية الانتخابية، او في اطار التحشيد الذي لم يحصل الذين وقفوا خلفه على ما ينفعهم بالرغم من كل الاذى الذي الحقوه بالشعب، بعد ان ظنوا انهم استغفلوه، متناسين ان الدنيا تغيرت والألاعيب كلها باتت مكشوفة، وان عليهم ان يقروا الموازنة لانها اموال الشعب وحقه وليس منّة منهم عليه!.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0