أحد الانقسامات الكبرى في علم السياسة هو العلاقة بين الطبيعة البشرية والسياسة، فقد جادل الفلاسفة واللاهوتيون وعلماء النفس بالإضافة إلى الباحثين بحتمية النزاع والعدوان بين البشر، والذي يقسم فيه أراء المفكرين الى فريقين، يرى الفريق الأول هوبس و دي مايستري و نيتشه وآخرون أن الصراع والعنف والقتال من أجل السيطرة سمات أساسية في الطبيعة البشرية، مما يستوجب دولة قوية لإحلال الأمن، أما الفريق الثاني فقد أكدو على إمكانية الأتفاق العام والتعاون بين البشر وهم ثوماس مور، ولوك، وروسو، وتولستوي.

وقد حاول العديد من كتاب القرنين السادس عشر والسابع عشر الكلاسيكين الذين كتبوا حول النظرية السياسية برهنة الحاجة لوجود الدولة إعتماداً على "أشكال النقص" المفترض وجودها في دولة الطبيعة، الأصلية التي لاتوجد فيها سلطة للتوسط بين الأفراد وقد رأى هوبس أنه في مثل تلك الدولة سيكون هناك حرب بين كل فرد وآخر وأن مكتسبات الأمن المتصلة بأي شكل من أشكال الدولة ستكون بالتالي أكبر بكثير من فقدان الحرية الناتجة عن إطاعة سلطاتها. لكن كان موقف المنادين بالحرية أمثال لوك وروسو ضد ذلك جزئياً بقولهم إن الناس حتى من دون الدولة، حيوانات إجتماعية وسيتعاونون مع أن لوك يقبل أن مثل ذلك التعاون قد يولد نزاعات سيكون وجود وسيط محايد في فضها امراً مفيداً.

قد تكون الدولة أمراً مرغوباً به لكنها ليست أمراً ضرورياً على أية حال، من الصعب تصور مجتمع صناعي حديث كبير يعمل من دون آلية كهذه، إنه أمر صعب ولكنه ليس مستحيلاً لأن أقلية صغيرة من الفوضويين تؤيد ذلك.

يرى الفوضوي أن التغير الثوري شئ ملح وينبغي فعله الآن حيث نعيش وحيث نعمل وثمة أقلية من الفوضويين تحث على إستخدام التدخل العسكري لتحطيم آلية الدولة، أو إستخدام العنف الإرهابي، وكان الإرهاب الفوضوي في اغلب الأحيان بمثابة ردة فعل على حملات الدولة غير المبررة ضد الأقليات الصغيرة. ولعل أكثر التجمعات الفوضوية تأثيراً تلك التي كانت في إسبانيا في ثلاثينيات القرن العشرين، وقد ترك الفكر الفوضوي أثاره على أية حال على غاندي وحركة الإستقلال الهندية والحركة النسوية المعاصرة والمجموعات المدافعة عن البيئة .

لماذا يجب أن نطيع الدولة؟

إن الفوضوي الذي ينادي بوجوب تخلينا عن سلطة الدولة يحض على السؤال الملح لماذا علينا إطاعة الدولة، بالطبع قد يكون جزء من الجواب مجرد عملية تعقلية، فلو لم نطع الدولة فإن مؤسساتها قد تكشف إنتهاكها لقوانينها وتعاقباً.

وتؤكد وجهة النظر الديمقراطية أن من واجب المواطنين الصالحين إحترام نتاج عمليات إتخاذ القرار المؤسسة بإسمهم، والتي لن تبقى من دون موافقتهم، بل حتى القانون السيئ ينبغي طاعته حتى يتم تعديله بعمليات ديمقراطية، وبما أن الحكومة تعكس مصالح اغلبية السكان ينبغي على الأقليات إحترام قراراتها.

دولة الدول

وهناك من ذهب الى ابعد من المؤسسات على مستوى الدولة الوطنية الى محاولة بناء مؤسسات تحكم العلاقة بين الدول نفسها وهو ما دعا اليه ودرو ويلسن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الذي قاد امته أثناء الحرب العالمية الأولى في عام 1917 في حديثه أمام الكونغرس الأمريكي عندما وضع ما أشتهر بالأربع عشرة نقطة التي صممها كخطة مابعد الحرب.

لقد صُممت خطة ويلسون لتغيير دستور السياسة العالمية نفسه إذ أراد من عالمية الليبرالية تجاوز سياسة توازن القوى الناتج عن العلاقات الدولية الفوضوية، وكان مقتنعاً بأن تأسيس هيئات دستورية اقوى يدعم فكرة الأمن الجماعي ويوضح حقيقة أن لكل الأمم المحبة للسلام فائدة مشتركة في السلام وليس الحرب.

إن فكرته عن جمعية عامة تضم جميع الأمم وجدت تعبيراً ملموساً (مع أنه غير كامل) في عصبة الأمم التي تأسست في مؤتمر سلام باريس في عام 1919، وبعدها جاءت الامم المتحدة والمؤسسات التابعة لها.

العالم اليوم هو اكثر حاجة لتعزيز مفهوم الدولة، وتقوية المؤسسات الدستورية، لتكون الركيزة الاساسية للسلام في جميع البلدان، ومن ثم الانتقال الى المرحلة الثانية وهي بناء ركائز المؤسسات العالمية التي قد تجمع الدول في بيئة اكثر استقرارا.

* باحثة في العلوم السياسية، قسم العلاقات الدولية، كاتبة في موقع ساسة بوست، والجزيرة نت.

.........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0