تسببت الحروب المختلطة والثورات الملونة في ظهور أبعاد جديدة للصراع الحديث وتميزت بعدة أبعاد كاعتبارها استمرارا للسياسة وكدائرة غير مؤكدة وغير موثوقة وهذه المسائل لا تستنفد تعريف أبعاد الحرب كظاهرة اجتماعية وسياسية لإن بروز ظاهرة الحرب الهجينة مثل نوعًا جديدًا من الصراعات الحديثة التي تتمثل ميزتها المهمة في تعدد أبعادها ولذا ينبغي أن تكون خاصية التعددية المتعددة هي أساس النموذج التصوري للصراع والذي عكس تحوله عبر التغيرات الكمية إلى نوعيات مع تطور الاستراتيجيات والقوى ووسائل الصراعات الحديثة.

وكانت قد مثلت الثورات الملونة ظاهرة جديدة في طيف الصراعات المعاصرة والتي اعتبر استخدامها الهادف والواسع لتكنولوجيا المعلومات كسمة مميزة لتشكيل حشد متلاعب بهجمات صارمة ضد السلطات الى درجة إن أنظمة وتقنيات المعلومات وصلت للتأثير على المتحاربين في هذا النوع من الصراعات إلى مستوى كمي ونوعي جديد مما منح أسلحة المعلومات نطاقًا مكانيًا يتعذر الوصول إليه وإلحاحًا خاصًا وخطرًا، ونتيجة لاستخدام تكنولوجيا المعلومات فقد عد الامر تحولا جذريا في جميع مجالات الحياة العامة بما في ذلك المجالات العسكرية. وان مشكلة تحويل الصراع هي التي تدفع الى الاهتمام باستخدام إلاجراءات والأساليب غير المتكافئة وغير المباشرة لتسمح بحرمان الجانب الآخر من السيادة الفعلية دون الاستيلاء على الأراضي بالقوة العسكرية بواسطة إدخال الحرب الهجينة كاستراتيجية للعمل.

يبدو أن جذور الحرب الهجينة الاستراتيجية ينبغي أن تنسب إلى تاريخ المدى الطويل للحروب والصراعات الدولية والمتلاحقة بسرعة فائقة، ومع ذلك فأن التكنولوجيا الهجينة حولت استراتيجية الحرب الهجينة إلى نوع من التكامل بين الأشكال العسكرية وغير العسكرية اضافة الى الأساليب والتقنيات المستخدمة في النزاعات الحديثة متعددة الأبعاد. وفي هذا السياق فأن المحددات الجيوسياسية والتي حددت تحول الصراعات في عصرنا نستنبطها عبر الحفاظ على دور الأسلحة النووية كوسيلة لضمان الاستقرار الاستراتيجي والسياسي والتي بذات الوقت ادت وساهمت في ظهور شكل جديد من أشكال الحروب كما حفزت في مجال الأمن الدولي لإنشاء منظمات تهدف إلى السلام او لربما في بعض الحالات لتأذن بالحرب، وكذلك نزوع البلدان الحائزة للأسلحة النووية لاستخدام القوة العسكرية وغيرها من انتهاكات القانون الدولي من خلال استخدام مختلف التكنولوجيات الهجينة بما في ذلك بالمناطق البعيدة جغرافيا عن أراضيها الوطنية، اضافة الى ظهور منظمات إرهابية دولية تستخدم أساليب العنف "غير التقليدية" لتحقيق أهدافها السياسية. وان الحصيلة الناتجة عن عولمة الاقتصادات الوطنية تعتمد على الاقتصاد العالمي السائد المساهم في تغيير طرق حل المشاكل الاقتصادية والسياسية، وعلى نحو متزايد ستؤدي إلى التخلي عن استخدام العنف المسلح واستبداله بأشكال العزل والحروب الاقتصادية. وهنا يجب إن نؤكد إن تطور تكنولوجيا المعلومات كان قد أدى إلى ظهور شكل جديد من أشكال حرب المعلومات والتي تمثلت بمجموعة من التدابير التي يتعين اتخاذها من أجل تحقيق التفوق في جمع وتوظيف المعلومات على العدو من خلال العمل على أنظمة معلوماته وشبكات الكمبيوتر والتحكم في القناعات وفي الوعي العام والفردي والعقل الباطن للسكان والقوات المسلحة وفي الوقت نفسه حماية بيئة المعلومات الخاصة به، فتتضمن عبر ذلك كله تكنولوجيا المعلومات لتنفيذ استراتيجية الحرب المختلطة باعتبارها نزاعًا متعدد الأبعاد وتعمل كأساس لاستراتيجية الثورات والحركات الملونة.

يمثل الفضاء السيبراني مجالاً محدداً للنشاط والبيئة ويمتاز بأنه ذو طبيعة مستقلة نسبياً وله تأثير كبير على تطور الاقتصاد والحياة السياسية والثقافة والتقنية والشؤون العسكرية وزيادة التعقيد هنا تتبلور في تحديد مصدر التهديد ومصدر "الهجمات السيبرانية"، لان الفضاء السيبراني اضحى حافزًا فريدًا للصراعات المعاصرة ومصدرا لمجموعة جديدة من التهديدات وزيادة لدرجات مستويات عدم اليقين الاستراتيجي. وان وجود مجموعات من العوامل الدائمة والمتغيرة والمستقرة التي تؤثر على تحول النزاع كالمحددات الجغرافية فضلا عن تكوين وتحفيز وعي وعدد المشاركين في الصراعات وكذلك الاتصالات والآليات المؤسسية للتفاعل والتسلسل الهرمي للعلاقات الدولية القائمة، لربما تساهم في تشكيل هياكل أنظمة مستقرة نسبيا وان التفاعل هو الذي يحدد استراتيجية الصراعات في سياق الترابط المتزايد. ولابد إن نعرف جيد إن المتغيرات مرتبطة بالتعرض للصراعات وبعضها يصعب التنبؤ به، كما ويمكن لها أن تقوم وتحدث فجأة وهذا ما يسمى بعوامل عدم اليقين المتعلقة في احتمالية انتقال العلاقات وتغيرات ميزان القوى بينها فضلا عن محاولات التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة بحجة تعزيز الليبرالية والقيم الديمقراطية وصعود التطرف والانفصالية فضلا عن التطور والتقدم العلمي والتكنولوجي وتوظيفه من قبل المنظمات الإرهابية، مما عقد المتغيرات الديناميكية ودفعها للتغيير الكبير. وان تأثير هذه العوامل التكنولوجية والاقتصادية والمعلوماتية والجيوسياسية يؤدي إلى تحول الصراعات الحالية وظهور أشكال جديدة من المواجهات الجيوسياسية المرتبطة مع كلا من توسع دائرة موضوعات الحرب وظهور مجموعات مختلفة ومع التغييرات في نسبة الوسائل المسلحة وغير المسلحة.

إن تأثير كلا من العولمة والثورة المعلوماتية والتكنولوجية على تحويل الصراعات بشكل عام يكاد ان يوصف بعالم الصراعات العالمية الحديثة على انه "ثالوث الإيديولوجية السياسية" المتحدد والمترابط بشكل وثيق، ومنه يُفهم على أنه العامل الأساس في تكوين النظام الذي يحدد تلك الظواهر كما يمكنه التأثير على العمليات والعلاقات السياسية والاقتصادية والإيديولوجية وغيرها في إطار صراعات يمكن أن تكون له نطاقات زمنية مختلفة، فضلا عن دمجها واغراقها بمختلف معاني واهداف الاستراتيجيات. وإن السبب الرئيسي لمعالجة فئة المحددات هو تحديد العوامل التي تحدد تحول الصراعات والحروب الهجينة فلذا ترتكز استراتيجيتها على الاستخدام المتكامل للصكوك العسكرية وغير العسكرية في حملة متكاملة تهدف إلى تحقيق المفاجأة والاستيلاء على المبادرة والحصول على المنافع النفسية المستخدمة في الإجراءات الدبلوماسية والمعلوماتية على نطاق واسع وسريع وعلى العمليات الإلكترونية اضافة الى تغطية وإخفاء الأنشطة العسكرية والاستخباراتية وعدم اهمال الضغط الاقتصادي فتعكس تلك الميزات بدقة الفرق الرئيس بين الحروب الهجينة والنزاعات التقليدية المرتبطة بالتحول الملحوظ للأشكال والوسائل والطرق والتقنيات العسكرية وغير العسكرية.

وهنا لا ننسى إن المحددات الاساسية يجب اعتبارها من بين الأهداف المحتملة لزيادة خطر تطبيق استراتيجيات الصراعات والحروب والحركات ووفقًا للبعد الجغرافي ومدة الإجراء لذا يتم تقسيم المحددات إلى فئتين ، وتتضمن كل فئة محددات من النوع الأول والثاني، فتعتبر محددات الفئة الأولى حاسمة لكل من صياغة استراتيجيات الحروب الهجينة وتعريف معناها وأهدافها ووضع استراتيجية لمواجهة العدوان الهجين، بينما تشمل الفئة الثانية المحددات القصيرة والمتوسطة الأجل التي تحدد تحويل الصراعات على النطاقات الوطنية أو الإقليمية ولذا تأخذ العوامل المحددة في الحسبان السمات السياسية والعسكرية والتقنية والاجتماعية والاقتصادية والحضارية لتطور العولمة وعمليات تكنولوجيا المعلومات وظهور بيئات جديدة من المواجهة العسكرية في الفضاء السيبراني، اضافة لذلك فأن محددات الفئة الثانية والنوع الثاني تحدد المعنى والغرض من العمليات المحددة لتلك الحروب والصراعات والحركات وتعطي ديناميكيات تحول النزاع مقترنة بالتغييرات في طبيعتها ونطاقها، وإن تلك المحددات هي التي تحدد بشكل حاسم التحول الجذري للصراعات على خلفية وجهات النظر المتباينة للمجتمع الدولي والدول الفردية وتحالفاتها.

كما ولا يفوتنا إن نوضح إن هناك تأثير قوي مزعزع للاستقرار على الأمنين الدولي والوطني هو محاولات الأفراد الخاضعين للسيطرة على احتكار المجتمع الدولي دون أي مبرر ودون رقابة من جانب المجتمع الدولي ومحاولتهم تحديد أولويات أجهزة الرقابة الحالية والمتوقعة، لذلك فإن محاولات بعض الدول والمنظمات من جانب واحد باختيار أشكال وأساليب المواجهة ضد الحركات الشعبية بما في ذلك تدابير القوة العسكرية تجاه كل معارضة فهي عواقب وخيمة على الأمنين الدولي والوطني. ونتيجة لذلك هناك ميول ورغبات كثيرة في ابتكار وطرح نموذج جديد للعلاقات الدولية، مما يناقض المطالبات الامريكية الراغبة بفرض قيمها ومعاييرها مع استخدام الحروب الهجينة والتكنولوجيات في الصراعات والحركات والثورات الملونة ولربما يكون لهذا الاتجاه تأثير حاسم على تحويل مجرى ومساق الصراعات المعاصرة وقد يعزز من التأثيرات السلبية للتغييرات على الأمن الدولي. وختاما نؤكد إن الاستراتيجية تترجم فعليا عبر استخدام القتال لأغراض الحرب لذلك يجب أن يتوافر العمل العسكري بمغزى التوافق مع المعنى والاهداف ووضع خطط للحروب وربط عددا من الإجراءات التي ينبغي أن تؤدي إلى تحقيق العمل العسكري المحدد ومنح التركيب لبرمجة وتهيئة المعارك المنفصلة، وان منهجة معنى وتعريف تلك الأهداف والمكونات الاقتصادية والإعلامية تأتي لتسهم في التحليل على أسس المحددات المتوسطة الأجل والمرتبطة بمجمل القضايا السياسية والعسكرية والتقنية والاجتماعية والميزات الاقتصادية والحضارية لتطوير العولمة وتكنولوجيا المعلومات وأيضا ستعمل على ظهور بيئات جديدة للمواجهات والصراعات العسكرية في الفضاء السيبراني والثالوث الإيديولوجي السياسي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2