كان الاسبوع الماضي، الاسبوع الاكثر اثارة في الشرق الاوسط، تداخلت فيه جملة من الاحداث والمنعطفات الحساسة في تطور يثير الكثير من الحماسة في طرح الاسئلة والبحث عن اجوبة لها قد نجد بعضها في الموافقة على "اطار العمل" الخاص بالاتفاق النووي الذي توصلت اليه القوى الكبرى مع ايران، او في "عاصفة الحزم" السعودية التي ما زالت تقصف اليمنيين وتهدم البنى التحتية للدولة، في ظل معاناة انسانية بدأت تتضح معالمها للعالم، وربما في التطورات السريعة والمتلاحقة في سوريا، حيث تحرك المقاتلون المناهضون لنظام الاسد (خليط من التنظيمات المتطرفة ومقاتلون تابعون لحركات مدعومة من دول عربية وغربية) في اقصى الشمال واقصى الجنوب، لينتزعوا مناطق استراتيجية واخرى رمزية من يد النظام، فيما يجري السيطرة على "مخيم اليرموك" القريب من قلب النظام السوري من قبل اقوى التنظيمات المتطرفة في سورية (جبهة النصرة وتنظيم داعش).

لا يمكن وصف ما يجري في الشرق الاوسط من احداث قد تناقض بعضها البعض الاخر، سوى بوجود صراع سياسي وعسكري لانتزاع الصدارة او تحجيم قدرة المنافس في الهيمنة، وقد تنوعت مسمياتها بين الحروب الطائفية او مكافحة الارهاب او اعادة الاستقرار الى المنطقة، الا ان جميع هذه التسميات تشير الى تكتيك هذا الصراع وليس الى استراتيجيته، اذ يبقى الهدف الاخير لأغلب حكام المنطقة او اللاعبين الرئيسيين فيها هو الحفاظ على نفوذهم في المنطقة والذي يضمن لهم المحافظة على عروشهم، اما التكتيك فيختلف بحسب طبيعة المرحلة التي يمكن ان تستخدم فيها عدة عوامل دينية او اقتصادية او سياسية، وحتى عسكرية اذا اقتضت الضرورة، المهم ان يحقق الخصم نقطة تحسب لصالحة في منطقة ما على حساب الطرف الاخر الذي قد يكون حقق نقطة له في منطقة اخرى، اما الطريقة التي يتم فيها تحقيق الانتصار فغير مهمة ما دامت تحقق الهدف الاستراتيجي الذي تسعى اليه.

ايران استطاعت ان تحقق افضل المخاوف لدى الطرف الاخر، لدى اسرائيل ودول الخليج، وبالأخص لدى السعودية، بعد ان وصلت لاتفاق "شبه نهائي" مع الدول الكبرى، يضمن لها مقعدا في "النادي النووي" مع رفع العقوبات الاقتصادية والقيود التكنولوجية المفروضة عليها، اما التفاصيل الاخرى فغير مهمة، المهم ان ايران ستعود الى الشرق الاوسط مع اعتراف دولي بانها "دولة نووية"، وهو امر بالتأكيد لا يسر السعودية وحكامها، الذين قد يشعرون مع الوقت ان ايران قد تقترب من اكثر حلفائها موثوقية وقوة، الولايات المتحدة الامريكية، على حساب علاقتها معه، ويرى الكاتب البريطاني "روبرت فيسك" في مقال له في صحيفة الاندبندنت" إنه "إذا التزمت إيران بتعهداتها يمكن أن يتبدل انعدام الثقة بينها وبين الولايات المتحدة، وسيكون هذا تحولا سياسيا هائلا في الشرق الأوسط، فيمكن لإيران أن تصبح –مع مرور الوقت– شرطي الولايات المتحدة في الخليج كما كانت تحت حكم الشاه. ويصف الكاتب هذا التحول بالزلزال في الشرق الأوسط، آنذاك ستعيد الولايات المتحدة تقييم علاقاتها مع السعوديين "الوهابيين" الذين انتجوا للعالم اسامة بن لادن و15 من بين 19 قاموا بالهجوم على برجي التجارة في 11 سبتمبر"، ويضيف "إن الدين في السعودية يماثل تماما الدين لدى طالبان، كما يماثل، للأسف الدين المخيف للجماعات المتمردة في سوريا والعراق".

وهنا قد تثار أكثر الاحتمالات رعبا وخوفا، حتى بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية، عن طبيعة تحركات المملكة العربية السعودية في ظل الصفقة الايرانية، وما هي ردة فعلها؟

البداية كانت مع "عاصفة الحزم" بعد ان وجهت جميع الاتهامات الى ايران بدعم الحوثيين، ثم تطور الامر الى اتهام قوات "صالح" في الهجوم على عدن ومحاولة اسقاط الحكومة التي تعترف بها السعودية، وقد رافقت الضربات الجوية التي قامت بها السعودية اضافة الى حلفائها، تحركات واسعة لتنظيم القاعدة في اليمن بعد ان هاجم السجن المركزي في مدينة "المكلا" كبرى مدن "حضرموت" وهرب مئات السجناء بينهم قيادات بارزة في التنظيم، بعد ان تحرك نحو ضم المزيد من المناطق الى سيطرته، بعد ان وفرت "عاصفة الحزم" فرصة ذهبية للتنظيم في ظل انسحاب القوات الامريكية وتوقف ضرباتها المسيرة، فضلا عن سيطرة طائرات قوات التحالف السعودي على اجواء اليمن والتي باشرت بتدمير القوة العسكرية لليمن من دون ان تقصف موقعا واحدا للتنظيم او المناطق التي تخضع لسيطرته؟

في سوريا هناك تحالف غريب بين "القوى المعارضة" المدعومة من دول عربية (منها السعودية) و"التنظيمات الارهابية" كجبهة النصرة واحرار الشام وغيرها، استطاع هذا التحالف خلال الاسبوع الماضي من السيطرة على مناطق مهمة في الجنوب الغربي "معبر نصيب الحدودي مع الاردن"، وفي الشمال الغربي سيطر عناصر جبهة النصرة (فرع تنظيم القاعدة في سوريا) على مدينة "ادلب" بالكامل (الحدودية مع تركيا)، وبينهما ما زالت تتوسع "داعش" نحو قلب النظام، بعد ان تمكنت من السيطرة على مخيمات اللاجئين القريبة من العاصمة، وهي تطورات غير اعتيادية او "مشبوهة" يرى الكثير من المتابعين انها قد تهدف الى اعادة نفوذ الداعمين (او المتضررين) في المناطق التي خسروا فيها لصالح اطراف اخرى، لكن التكلفة ستكون مدمرة في حال زادت شوكة التنظيمات الارهابية التي بدأت بسرعة في حصد المزيد من النجاحات في اليمن وسوريا نتيجة لهذا الصراع خلال الايام الماضية، ما ينذر بمزيد من السوء فيما لو استمر هذا الوضع من دون ايجاد "حل سياسي" لبؤرة الصراع الاقليمي (سوريا واليمن) يخفف هذا الاحتقان، ويمنع تشتيت الجهد المبذول في مكافحة الارهاب والنجاحات التي تحققت في العراق، على اقل تقدير.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0