التخلف الاقتصادي، مثله مثل التخلف السياسي، فرع اخر من فروع التخلف الحضاري الذي عرفتُه بانه خلل حاد في المركب الحضاري المؤلف من الانسان والارض والزمن والعلم والعمل، اضافة الى القيم الاخلاقية والسلوكية الحافة بهذه العناصر.

الاقتصاد يشمل علاقة الانسان بالطبيعة (الملكية، وسائل الانتاج، الانتاج، الخ)، كما يشمل علاقة الانسان بالانسان (التوزيع). والتخلف الاقتصادي يحصل حينما يطرأ الخلل الحاد على هذين المستويين من العلاقات.

قد يقاس التخلف الاقتصادي بناء على النسبة بين الاستهلاك والانتاج، وبين الاستيراد والتصدير، او عدد الذين يعيشون دون مستوى الفقر، او حصة الفرد من اجمالي الانتاج الوطني، الخ، وكلها قياسات صحيحة، لكنها تعود في النهاية الى الخلل الحاد في علاقة الانسان بالطبيعة وعلاقة الانسان بالانسان. ومعالجة التخلف الاقتصادي يجب ان تتم بمعالجة الخلل في هاتين العلاقتين، والعلاج يتم وفق كلمتي: وفرة الانتاج، وعدالة التوزيع.

لا مشكلة في الملكية الفردية مثلا، لكن الخلل يحصل حين تتسبب هذه الملكية في تعطيل الانتاج، كأن يملك الانسان مساحات شاسعة من الارض دون ان يستثمرها، او تتسبب في استعباد الانسان واستغلاله وسرقة جهده وظلمه كما في حالة الاقطاع.

وفرة الانتاج تحتاج الى العلم، والخبرة العلمية والعملية، والابتكار، وحماية حقوق الاختراع، والتخطيط العلمي، وحماية المنتوج، والتوازن بين الانتاج والاستهلاك، واستثمار الامكانات التي توفرها الطبيعة، في باطن الارض وسطحها وفوقها، ومواكبة التطور التكنولوجي، والبيئة القانونية والتشريعية التي تشجع على العمل وتحميه، وقوة الاندفاع نحو العمل، وتشجيع الصناعات بمختلف اشكالها، وتشجيع القطاع الخاص، الخ.

ان المجتمعات الجاهلة علميا وتكنولوجيا لا يمكن ان تستثمر الطبيعة على افضل وجه، وكذلك المجتمعات الكسولة او الاتكالية، او الباحثة عن الوظائف المكتبية فقط، لا يمكن ان تقضي على تخلفها الاقتصادي. وكذلك هي حال المجتمعات التي تغلب نزعتها الاستهلاكية الاتكالية على الروح الانتاجية الابتكارية.

ومرة اخرى يلعب النظام التربوي دورا مهما في تربية وتنشئة واعداد المواطنين لدخول سوق العمل الانتاجي، والكادر المهني الوسيط، والمبادرة الفردية، وعدم التعلق بالوظيفة الحكومية فقط.

وبالنتيجة، فان تشجيع الزراعة، والتربية الحيوانية، والصناعات التحويلية، والتسهيلات المصرفية، وتحديث الاداء المصرفي، وتحسين طرق ووسائل النقل، وتطوير الاداء الفردي، وتوفير المستلزمات التكميلية، كل ذلك امور تتطلبها المعركة ضد التخلف الاقتصادي، او قل المعركة من اجل النهوض الاقتصادي.

وهذه معركة لن تتكامل ما لم يتم الاخذ بنظام عادل ومنصف للتوزيع يضع بنظر الاعتبار ايضا المواطنين الذين هم ضحايا اللامساواة الطبيعية والذين يطلق عليهم القران الكريم اسم "المحرومون" كما في قوله تعالى:"وفي اموالهم حق معلوم للسائل والمحروم".

تتحقق العدالة الاجتماعية عن طريق الاشكال المتعددة للملكية، والقيم الاخلاقية الحاكمة على الحرية الاقتصادية الفردية، والتكافل الاجتماعي، والضمان الاجتماعي الذي توفره الدولة للعاطلين عن العمل لسبب شرعي مثل عدم توفر فرصة العمل، او المرض، او الشيخوخة، وغير ذلك.

ان وفرة الانتاج دون تحقق العدالة الاجتماعية لن تحل مشكلة التخلف الاقتصادي بل سوف تفاقمها باضافة مشكلات جديدة اخطرها تعميق الفوارق الطبقية، وبالتالي تعميق الانقسام المجتمعي. ولهذا يكون من حق الدولة الحضارية الحديثة مراقبة نمو الملكية الفردية في الشركات العملاقة والحد منها اذا اصبحت خطرا على السوق والمجتمع، عن طريق الضرائب التصاعدية وصولا الى شطر هذه الشركات اذا تطلب الامر.

وتلعب الضرائب دورا مهما في تحقيق العدالة الاجتماعية وتعميق الشعور الداخلي بالمسؤولية الذاتية عن الخير العام والعدالة الاجتماعية وتحقيق التكافل الاجتماعي. ان المواطن الصالح لا يتهرب من هذا الواجب الحضاري.

......................................................................................................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2