على وقع السجال السياسي الجاري في العراق منذ 12 أيار الماضي حول تشكيل الحكومة العراقية القادمة وعمليات إعادة العد والفرز لنتائج الانتخابات، انطلقت التظاهرات في مناطق وسط وجنوب العراق لتستمر للأسبوع الثالث على التوالي.

هذه التظاهرات تعبر عن الواقع الخدمي المرير الذي تعيشه محافظات العراق الوسطى والجنوبية من نقص المياه وزيادة ملوحتها، لاسيما في محافظة البصرة وانقطاع شبه تام للتيار الكهربائي وازدياد حالات الفقر والبطالة وتفشي الأمراض وتفاقم أزمة السكن، بالتزامن مع اتساع رقعة الفساد السياسي والمالي وفشل خطط السيد العبادي التي وضعها من أجل مواجهة هذه الآفة الخطيرة، التي اصبحت التهديد الأكبر على مستقبل العملية السياسية والدولة العراقية بشكل عام.

تظاهرات وسط وجنوب العراق وضعت الحكومة العراقية والساسة العراقيين في زاوية حرجة، لاسيما وأن هذه التظاهرات تعد تظاهرات عفوية غير مخطط لها، خرجت في قضاء صغير من أقضية البصرة لتمتد بعدها إلى عموم المحافظة ثم تداعت إلى محافظات العراق الوسطى والجنوبية. هذه التظاهرات اشعرت الحكومة العراقية والقوى السياسية بخطر محدق مختّلف عن تهديد التظاهرات الماضية. وهناك من يتساءل عن سبب التخوف الحكومي والسياسي والحزبي، وعن مستقبل هذه الاحتجاجات واهدافها ومجريات حركة الاحتجاجات بشكل عام؟

التخوف الحكومي والحزبي

إن الاحزاب السياسية الشيعية لم تتفاعل مع الاحتجاجات العراقية بالشكل الذي يتماشى مع طبيعة ودوافع هذه الاحتجاجات، بل على العكس من ذلك بادرت إلى المناكفات السياسية والحزبية وكيل الاتهامات فيما بينها، لاسيما مع حرق المحتجين لبعض من مقرات الاحزاب السياسية العراقية مثل مقر حزب (الدعوة والفضيلة ومنظمة بدر والعصائب وتيار الحكمة). هذا الخوف دفع بحكومة السيد العبادي إلى قطع خدمة الانترنيت بشكل عام وحجبها عن المواطن العراقي بدون أي أشعار. ولعل عفوية التظاهر وحصرها بالمكون الشيعي وافتقارها للقيادة والتخطيط وعدم حصرها بجهة سياسية معينة زاد من مخاوف الحكومة العراقية والقوى السياسية الشيعية بشكل كبير، التي تعتبر ابناء وسط وجنوب العراق رصيدها البشري في حروبها واجندتها الداخلية والخارجية.

الاتهامات المبطنة

كالعادة كانت هناك اتهامات جاهزة للمتظاهرين ولعل وصف المندسين لبعض المتظاهرين من قبل الحكومة العراقية وبعض الاحزاب السياسية الشيعية كان القصد منها توجيه اصابع الاتهام لأنصار التيار الصدري الذين تظاهروا على مدار السنوات القادمة بشكل دوري، وأن حرق مقرات الاحزاب السياسية الشيعية الأخرى زاد من فرضية هذا الاتهام. هذا الاتهام يكشف عمق الخلاف بين القوى السياسية العراقية، لاسيما الشيعية منها؛ ولهذا نحن إمام صراعات حزبية صارخة بدأت تظهر للعلن مع بدأ التظاهرات من خلال كيل الاتهامات للمتظاهرين ووصفهم بالمندسين وأنهم تابعون لبعض الجهات السياسية، متجاهلين بذلك حق المتظاهرين في المطالبة بحقوقهم المشروعة وواقعهم الخدمي الذي وصل لمرحلة لا تطاق على كافة المستويات.

ولهذا فالتظاهرات الحالية هي نتاج تراكمي لفشل سياسات الدولة على مدى السنوات الماضية؛ وأن الاتهامات الجاهزة لهذه التظاهرات ما هي إلا مؤشرات واضحة على الفشل الحكومي، ونتيجة طبيعية للصراع السياسي والحزبي بين القوى السياسية العراقية.

بؤر الفساد هدف المتظاهرين

يعد السيد رئيس الوزراء الحالي السيد حيدر العبادي المتسبب الأكبر في هذه التظاهرات؛ وذلك من خلال الفشل الكبير الذي واجهه طيلة فترة الاحتجاجات السابقة وإعلانه الحرب على الفساد بعد إعلان النصر على تنظيم "داعش". فالسيد العبادي طيلة فترة حكمه فشل فشلاً ذريعاً في تقنين الفساد أو الحد منه؛ ولهذا نرى بأن قبلة المتظاهرين كانت أغلبها موجهة ضد بؤر الفساد التي مثلت عملية الصراع بين الحكومة المركزية والجهات الحزبية الماسكة لتلك الاهداف، كمطار النجف الذي يعتبر من ملفات الفساد الشائكة التي فشل في حلها السيد العبادي، فجميع العراقيين يعرفون قضية مطار النجف وما سببته من أزمات بين المركز ومجلس محافظة النجف ومدير مطار النجف؛ ليعطي لنا بذلك، واحدة من دروس فشل السيد العبادي في معالجته لملفات الفساد، كذلك الحال بالنسبة للشركات النفطية ومجالس المحافظات والمنافذ الحدودية. فمن الطبيعي جداً أن يتحرك المتظاهرون غريزياً لتلك الاهداف التي اصبحت منصات كبيرة للفساد على حساب مصلحة المواطن العراقي؛ للتعبير عن حالة الاستياء التي وصلوا لها.

مظاهرات عفوية

أهم ما يميز هذه التظاهرات بأنها تظاهرات عفوية بعيدة عن التخطيط والتنظيم والقيادة؛ لذلك لا أحد يستطيع السيطرة على هذه التظاهرات، وأن الحديث عن وجود حراك أو تنسيقات لهذه التظاهرات هو أدعاء فارغ ولا يمت للوقع بصلة. عفوية التظاهر ربما تزيد من حالة عدم الاستقرار والسيطرة عليها، ولهذا ربما تواجه القوات الأمنية والحكومية العراقية صعوبة كبيرة في السيطرة على هذه التظاهرات والتنسيق معها. هذه الميزة "عفوية التظاهر" ربما تزيد من حالة التقاطع بين الحكومة والقوات الأمنية من جهة والمتظاهرين من جهة أخرى، وربما تزيد من عمرة الاحتجاجات الشعبية.

وفي ظل تصاعد الاحتجاجات الشعبية ستجد الحكومة العراقية نفسها عاجزة عن تحقيق مطالب المتظاهرين، لاسيما مع انتهاء عمر الحكومة الحالية واحتدام النقاش من أجل تشكيل الحكومة العراقية القادمة، التي ستجد نفسها عاجزة أيضاً عن تحقيق مطالب المتظاهرين؛ وذلك بسبب الفشل الحكومي المتراكم في حل أزمة السكن وأزمة الكهرباء والماء ونقص الخدمات، إلا أن ما يسعف الحكومة العراقية هو أن هذه التظاهرات لا يمكن أن تستمر لأشهر طويلة (واذا استمرت وكتب لها النجاح فأنها ستضع الحكومة العراقية القادمة على المحك)، لكن ما يجعلنا أن نتنبأ بعدم استمرارها هو أن الموسم السنوي للتظاهر في العراق يبدأ مع شهري تموز وأب؛ بسبب ارتفاع درجات الحرارة وانقطاع التيار الكهربائي ونقص الخدمات.

ولهذا نحن بصدد الحديث عن حراك جماهيري يمكن أن يستمر لشهر أو لشهرين وليس بحراك جماهيري يمكن أن يكون طويل المدى وله اهداف سياسية بقدر ما هي مطالب خدمية مشروعة بعيدة عن الثورة والانفلات الأمني، إلا أن الحكومة العراقية مطالبة بتحقيق مطالب المحتجين وتحسين المستوى المعيشي للمواطن العراقي ورفع مستوى الخدمات ووضع استراتيجية شاملة لمعالجة الفساد المتفشي في مفاصل الدولة العراقية بشكل يتلائم مع حجم الفساد الذي تعاني منه المؤسسات الحكومية.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2018
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0