من الصعب تصور امكانية الاجتماع الانساني، بشروط الحضارة المعاصرة، دون النظر الى الدولة والمجتمع نظاما واحدا لإدامة الحياة والكفاح المشترك للإرتقاء الأخلاقي والاقتصادي، وترسيخ مقومات الامن والحرية وحماية حقوق الإنسان وكرامته.

وليس من المبالغة وصف الممارسة السياسة في العراق، وصناعة الرأي العام، بصرف أذهان العراقيين وضمائرهم عن وحدة الكيان الكلي والروابط الضرورية بين عناصره. ولم يكن ذلك عن غفلة وجهل من جميع القوى المنخرطة في تلك العملية، والتي من نتائجها صار الفشل في اداء اجهزة الدولة لوظائفها معتادا، حتى يقال فيما عدا الرواتب والانتصار الأخير على الإرهاب ليس ثمة منجزات ذات اهمية.

والمجتمع الأهلي قد انتهى تقريبا الى تلاشي فاعلية القواعد المنظِمة لسلوك البشر وعلاقاتهم. إذ يعجز عن انصاف المظلوم، ويقف على الحياد بين الضحية والمجرم، ويكدح بحماس لتعطيل القانون مع ضعف وتكاسل وتخاذل الدوائر التي انيطت بها مهمات فرضه والحفاظ على هيبته. ومن منا جميعا لا يدري كيف ينعم وحوش على صورة بني آدم بالأمن والكرامة ويقاسي نزيه عفيف اصناف المذلة والهوان.

وذلك لأن الدولة قد تجزأت الى وحدات مستقلة لمنتسبيها وزبائنهم، نعم هي كذلك، مع تجاهل وإزدراء اية محاولة لإثارة مفهوم وحدة النظام ومركز التنسيق والمسؤولية. وقد اشاعوا ونجحوا بأن استقلال السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية عن بعضها وهي بدورها الى اجزاء أصغر فأصغر، يعني اعفاء المجموعة الحاكمة من المسؤولية الاخلاقية والسياسية عن الدولة بمجموعها وادارتها والمجتمع. فعلى الصعيد العملي لا يوجد في اذهانهم العراق ودولته والناس، انما مكاتبهم وما يصل اليها من بريد: موافق، لا مانع لدينا، تشكيل لجنة، لا باس سيأخذ التحقيق مجراه،... وهكذا "من كل حسب صلاحياته، التي لا يستخدمها إلا لإسقاط الفرض، ولكل حسب استحقاقه الانتخابي او التكنوقراطي“ والجميع سعداء بهذا.

يتعذر اصلاح حال العراق دون وحدة النظام ومركز المسؤولية هو الدليل العملي على تلك الوحدة.

فاذا بقيت الوزارات ودوائرها ومعها العديد من الهيئات المستقلة والكيانات الأخرى دون قيادة مركزية تستطيع التحريك والربط والبرمجة لإزالة الخلل وضمان التقدم لا امل في المستقبل. فمن هي الجهة التي سوف تنهض بالبناء التحتي والخدمات العامة مثلا، ومن المسؤول الآن عن بناء القدرة الوطنية المطلوبة لإنجاز برامج التطوير في البناء والإنشاء واقامة الطاقات الإنتاجية الجديدة؟ آلاف المقاولين ومثلهم من الموظفين كلٌ على شاكلته، وزارة التخطيط، الاعمار والأسكان وشركاتها، وزارة المالية، لجان مجلس الوزراء، ام اللجنة المالية او الاقتصادية في مجلس النواب... وما الجديد المنتظر في عملهم.

وكيف يُفرض القانون في العراق، من مراكز الشرطة، ودوائر التحقيق القضائي والمفتشين العموميين والنزاهة والقضاة والمحامين و... هذا مستحيل دون قيادة في مركز المسؤولية عن كل العراق، تعرف كيف تضع الأمور في نصابها الصحيح. طبعا هناك العديد من التحديات تواجه العراق من المنطقة والعالم ومختلف مصادر النزاع الديني والأثني والحزبي والشخصي وارث الحروب والأرهاب، لا شك في هذا. لكن العوائق والضغوط تؤكد ان الحاجة ماسة الى تحول سريع في فهم الدولة وادارتها ثم التغيير الذي يساعد موضوعيا على تكوين مركز المسؤولية والقيادة المسؤولة. وأكثر من ذلك، لقد اسهمت اللامركزية المشوهة والتوافقية المغشوشة بنصيبها من سفك الدماء واضاعة الفرص. وحان وقت الموقف الشجاع لردع الشراهة والمغالبة في التعامل مع الشأن العام، وهذا يحتم نزاهة الفكر، اولا، بمقاطعة شعوذات الإعلام السياسي التي تسمى فكرا وفلسفة، وتحرير ضمائر الناس من قبضة المصالح الشريرة.

اما الكلام عن الأغلبية فلاعلاقة له البتة في المشكلة، لأنهم يعرفون جيدا، وليسألوا أنفسهم كم مرة في العشر سنوات الماضية عقد أي حزب من الأحزاب اجتماعا لأعضائه، شاغلي المواقع المؤثرة وذوي المكانة الاجتماعية، وبحث معهم بإخلاص كيف يعملون بتنسيق مستخدمين نفوذهم وعلاقاتهم لتحسين اداء الدولة لوظائفها، او مواجهة القوى المعادية للقانون والحضارة في المجتمع. لا اقصد خطابات الإنشاء بل محاربة الفساد مثلا او التصدي للجريمة وقلة الحياء، او تطوير الصحة، او التحرك المنظم لإجبار الدولة على التزام برنامج استثماري للتصنيع، او شبكة طرق، او تنمية محافظة يحكمها ذلك الحزب ومن يريد التحالف معهم في الأكثرية.

ان التذرع بالمؤسسية وتخصص وتقسيم عمل، وخطة وموازنة واستراتيجية، في مجتمع من العشائر وما اليها مغالطة. لا بد من قيادة لكل العراق، تُصلح الدولة لتقود عملية تحديث المجتمع، وصار من الضروري اعادة ترتيب اجهزة الدولة وادارتها في ضوء وحدة النظام قبل فوات الأوان. ومن المعلوم عدم كفاية نصوص القوانين والضوابط والتعليمات والصلاحيات وسواها لإصلاح المجتمع واداء الدولة، لأن المؤسسية اصلا مشروع للمستقبل ولا يتوقع العاقل ان الدوائر تعمل بتلقائية حسب انظمتها الرسمية لتنتج الخير العام، فهذه أشنع من اسطورة آليات السوق التي تنجز، لوحدها حرة، امة صناعية في اقتصاد متخلف فقير.

وربما يفهم من هذه المذكرة دعوة للديكتاتورية او ما يسمى الشمولية، لا ابدا، لأن التخلي عن الديمقراطية يدفع العراق الى مجهول وربما فناء. انما الديمقراطية لإكتساب الشرعية وهي وسيلة لا غنى عنها لتسوية التدافع على السلطة سلميا، وليس أكثر من هذا في اوضاعنا الحالية ولمدة قادمة قد تستغرق زمنا يطول. اما سيادة القانون والعدالة والتصنيع والازدهار الاقتصادي والرفاه... فهذه المهمات تنتظر قيادة حازمة ومتفانية لخدمة العراق في مركز المسؤولية.

وهنا نشير الى عدم نجاح الانتخابات، عادة، في تغيير نواة المجموعة الحاكمة في مثل مجتمعنا. كما ان أصل المشكلة قد لا تكون فيمن يُنتخب، بل في مجموع آليات عمل الدولة وادارة عملياتها الداخلية، بتفاصيلها، وانتظامها في الوحدة الكلية، والعيب الخطير في الواقع الحالي لبنية الدولة، بما فيه من انواع الخلل، غياب المركز المحرك والمسؤول.

ومن الأفضل حشد الجهود بهذا الاتجاه مهما كانت نتائج الانتخابات، ودون الاستجابة لضغوط الطامحين الى السلطة او الذين يتطلعون الى تغيير شامل للعالم من اجل انقاذ العراق فيما بعد.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2018
www.fcdrs.com

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0