انسحب الفريق الايراني المفاوض بشكل مفاجئ بعد ايام من المفاوضات الماراثونية في سويسرا عائدين الى طهران بعد ورود انباء عن وفاة والدة الرئيس الايراني "حسن روحاني"، تاركين وزير الخارجية الامريكي "جون كيري" بمفرده في لوزان السويسرية، بعد ورود انباء عن خلاف امريكي- اوربي حول طبيعة الاتفاق والتنازلات التي من المفترض ان تقدم من قبل الطرفين، وهو خلاف اتضح بعد ان "تغيرت خطط الوفود بشكل متكرر خلال عدة ساعات، وفي إحدى المراحل كان من المتوقع أن ينضم وزراء خارجية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى المحادثات" بحسب مصادر مقربة، فيما يرى مراقبين ان انسحاب الوفد الايراني جاء على خلفية امتعاضهم من التشدد الاوربي، وتحديدا الموقف الفرنسي (الذي تكرر للمرة الثانية)، الذي يطالب بالمزيد من التنازلات الايرانية مقابل رفع رمزي للعقوبات بحسب المفاوضين الايرانيين.

وما زالت الولايات المتحدة الامريكية اشد الداعمين لعقد اتفاق نووي قبل انتهاء المدة المقررة له، وهي تعول كثيرا على ايران والشرق الاوسط لمرحلة ما بعد الاتفاق النووي، وسط معارضة شديدة من قبل حلفائها المقربين في الخليج والشرق الاوسط والاتحاد الاوربي، وتبنت فرنسا من بين الدول الخمس الاخرى الموقف الاكثر اصرارا بالنسبة لاحتمال عقد اي اتفاق نووي محتمل مع ايران، ما دعا الى لقاء عاجل جمع وزير الخارجية الأميركي "جون كيري" نظيرة الفرنسي في المانيا، اضافة الى وزراء خارجية المانيا وبريطانيا لمناقشة الاختلاف في وجهات النظر بين الامريكان والفرنسيين، وصدر بعد هذا اللقاء بيان مشترك يؤكد على مواصلة "العمل معا في اطار من الوحدة للتوصل الى نتيجة ايجابية"، لكن من دون ان يمنع من اعتراف كيري بان "خلافات كبيرة" ما زالت تعرقل الوصول الى توافق في وجهات النظر بين القوى الكبرى، كما اتصل الرئيس الامريكي "بارك اوباما" بالرئيس الفرنسي "فرنسوا هولاند" لبحث نفس الموضوع، وهو ما يعطي دلالات واضحة على خلافات اكبر من ان يمكن احتوائها في الوقت الحاضر، وهي خلافات يمكن ان تتعدى حدود الاتفاق النووي من عدة اوجه:

1. الخلاف الامريكي-الاوربي حول ملفات حساسة في الشرق الاوسط، حيث التنافس كبير ولكل دولة مصالح واهداف تحتاج الى تحقيقها وفق لأيدولوجياتها، وربما تعتبر الدول الاوربية ان المفاوضات النووية افضل فرصة للضغط على الولايات المتحدة الامريكية (التي ترغب بعقد الاتفاق بشدة) من اجل تقديم التنازلات لاوربا واقتطاع جزء من الكعكة الشرق الاوسطية للأوربيين، بدلا من الخروج خالية الوفاض، على الاقل في الملف السوري الشائك.

2. الضغوط والشروط التي تفرضها الدول الاوربية خلال المفاوضات النووية ربما تكون جزء من الضغوط التي يحاول الحلفاء المنزعجين (مثل اسرائيل والسعودية) من الولايات المتحدة الامريكية ممارستها بالنيابة على حليفهم لعرقلة او الغاء المفاوضات.

3. تنامي العلاقة بين الولايات المتحدة الامريكية وايران على هامش المفاوضات النووية، وهو ما اعطى دور اكبر لإيران في منطقة الشرق الاوسط، وكما يحدث في سوريا والعراق واليمن، وهو امر قد يزعج الاوربيين في المقام الاول، وقد يعزز ابرام الاتفاق العلاقة بين الطرفين (الايراني-الامريكي) على حساب نفوذ اوربا وحلفائها في المنطقة.

4. ربما تقف خلف هذا الموقف عوامل اقتصادية، فكما يجري الان صراع امريكي-اوربي بين العملة (الذي يعرف بحرب العملات) الاوربية الموحدة (اليورو) والعملة الامريكية القوية (الدولار الامريكي) فالمصالح الاقتصادية في ايران قد تعطي سبب اخر للخلاف بين الاوربيين ونظرائهم الامريكيين.

وقد يعطي الانسحاب الايراني لفرنسا والولايات المتحدة الامريكية فرصة لترتيب اولوياتها ومصالحها في سياق تقريب وجهات النظر للخروج بموقف موحد وايجابي بحسب ما اكده بيان وزراء الخارجية (البريطاني والفرنسي والامريكي)، وهو ما تصر عليه الولايات المتحدة الامريكية، بعد ان باتت تشعر بان الاتفاق النووي قاب قوسين او ادنى، وهو ما يتبين من حديث وزير الخارجية الامريكي "جون كيري" الذي قال "إن المحادثات مع إيران حققت تقدما حقيقيا وإن الوقت حان لاتخاذ قرارات صعبة من أجل التوصل لاتفاق إطار"، وأضاف "لا نتعجل الأمور، ندرك أن قرارات مهمة يجب أن تتخذ الآن ولا تصبح أكثر سهولة مع مرور الوقت، لم نصل بعد لخط النهاية ولكن لدينا الفرصة لمحاولة تحقيق الأمر بشكل صحيح، إنها مسألة إرادة سياسية واتخاذ قرار صعب، وعلينا جميعا أن نختار بتعقل في الأيام المقبلة".

لكن مع استمرار لغز المفوضات النووية الايرانية الغامضة والتي جمعت الشرق بالغرب وفرقت الحلفاء والاصدقاء، تبقى الكثير من علامات الاستفهام المحيرة والاسئلة التي لم تحدد اجوبتها بعد، فالولايات المتحدة الامريكية ترغب بالاتفاق النووي والتقارب مع ايران بشدة بخلاف الاوربيين وتحديدا الفرنسيين، وتحدت ادارة البيت الابيض في سبيل انجاح الصفقة النووية المعارضين من الداخل والخارج، فهل هناك اسباب اخرى (غير التي توقعناها) يمكن ان تجعل هذا الخلاف كبيرا بين الحلفاء والمتنافسين؟

وهل تستطيع الولايات المتحدة الامريكية في نهاية المطاف من ابرام الاتفاق على الرغم من الممانعة الشديدة التي تبديها الاطراف الاخرى؟

وهل هناك سيناريوهات اخرى يمكن ان تفشل المشروع الامريكي في اللحظات الاخيرة؟

ربما ستتضح هذه الاجابات او بعضها في الايام القليلة المقبلة؟

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0