في كتابه "اوهام النخبة ونقد المثقف" يقول المفكر العربي علي حرب ان الساسة فشلوا في توحيد الشعوب، بينما نجح في ذلك الفنانون والرياضيون ورجال الاعمال وغيرهم. وانقل هنا بالمعنى وليس بالنص.

علي حرب يعرف، ان الشعوب لم تتوحد في اطار دول، لان الساسة هم الذين يمسكون دفة القيادة على الدوام، وانما حصلت الوحدة النفسية التي كان يغذي انقسامها الساسة، حين يقدمون انفسهم على انهم ممثلون للشعوب والمعبرون عن مصالحها.. وهكذا، وفي ظل هذه الفرضيات التي تخفي بداخلها ووراءها الكثير من الطموحات الشخصية والاطماع، تم تجنيد الشعوب ضد بعضها البعض لتحصل الحروب المدمرة، التي لونت التاريخ بدماء الفقراء، فيما اتخم الساسة كتب التاريخ بأمجادهم الزائفة.

واذا كانت الحروب نفسها، تعكس في جانب من اسباب اندلاعها، خشية الانسان على حاضره ومستقبله في ظل حالة التغالب والجهل التي طبعت حياة البشر على مر العصور، فان الفن والرياضة، بقيا بمثابة الماء المقدس الذي تتطهر به الشعوب بعد كل جولة من جولات حروبها الخاسرة تلك، او تكشف من خلالهما عن حجم الفجيعة التي يخلفها هذا الفعل الهمجي، مثلما ظلا يفضحان خلل البصيرة الانسانية، التي تحتاج باستمرار الى هذا المطهّر السحري، ليعيد التوازن للانسان ويجعل رؤيته للاشياء اكثر وضوحا.

قبل مدة كتبت مادة بعنوان "بغداد والرياض وما بينهما من فراغ" خلصت فيها الى القول، ان العلاقة بين البلدين الجارين الكبيرين، ظلت تحكمها ظروف ومصالح آنية من دون ان تقعّد على اسس أستراتيجية، تجعل مصالح الشعبين وليس الانظمة السياسية فيهما هي الاساس، وذكرت ان اهم اسباب عدم قيام علاقة قوية بين العراق والسعودية، يعود الى كونهما بلدين غنيين ومتنافسين على زعامة المنطقة، وان الخلافات السياسية طبعت تاريخ علاقتهما منذ العهد الملكي لاسباب عديدة، باستثناء مراحل قصيرة، حكمتها ظروف معينة. ومن هنا فان علاقة قوية بينهما، يجب ان تقوم على اسس قوية من المصالح ورؤية مشتركة لمستقبل المنطقة، لما يمثله البلدان من ثقل كبير، ينبغي ان يكون تكامليا ليحققا اهدافهما معا.

لا يحتاج العراقيون ولا السعوديون الى التذكير باسباب الخلافات القديمة الكثيرة، بقدر ما يحتاجون الى معرفة اسباب التوافق بينهما وهي الاكثر بالتأكيد، لان حال المنطقة يهدأ ويضطرب على وقع علاقتهما، وهو ما كان حاصلا في المراحل السابقة، فالسياسة لا تحتاج الى اشخاص لديهم ذاكرة قوية، تستحضر امامهم الماضي باستمرار، بقدر ما تحتاج الى اشخاص لهم القدرة على رؤية المستقبل وكيفية جعله افضل. فالخلافات بين العراق والسعودية لم تحصل ابتداءً الاّ بسبب قراءات متعارضة للاحداث وكيفية التعاطي معها، عربيا واقليميا ودوليا. وعادة ما يتعمق الخلاف ويتكرس عندما تغيب اسباب انهائه، او يبقى الساسة اسرى لخلافات الماضي، لتصبح مع الزمن جزءا من ثقافة سياسية تقليدية، تدفع ثمنها الشعوب. وهذه التجربة مرت بها اوروبا منذ قرون والى زمن قريب، قبل ان تكتشف ان اسباب قوتها تكمن في نبذ خلافات الماضي والبحث عن مشتركات تحقق مصالح شعوبها مجتمعة، ولكن بالسلام والتعاون، هذه المرة، بدلا من الحروب التي احرقت الاخضر واليابس. فكان الفن والرياضة من جهة والتبادل التجاري من جهة اخرى، هما الجناحان اللذان حلقت بهما اوروبا نحو المستقبل، وكان من امرها ما نراه اليوم، بعد ان اصبحت الحدود بين الدول هناك، والتي سالت عليها انهار من الدماء من قبل، خطوطا هلامية، او احد التفاصيل غير المحسوسة في حياة الاوروبيين.

مباراة العراق والسعودية التي جرت في البصرة مؤخرا، اكدت، ولا اقول كشفت عن ان كل عبارة في أي خطاب مأزوم، من اية جهة، تمثل حجرا مضافا الى السد الذي يحجب الشعوب عن بعضها، وان هذا الخطاب لا يمثل الشعوب ولا يعكس تطلعاتها، لان عالم اليوم لم تعد فيه الشعوب رعايا للسلاطين والاباطرة، بعد ان ذابت السلطة بين مصالح الناس وتطلعهم لكسر الحواجز المادية، بعد ان كسر الفن والرياضة والنشاط الاقتصادي المتبادل الحواجز النفسية، وان ميادين التنافس هذه، هي التعبير الاسمى عن جوانيات الانسان الحقيقية.

المطلوب اليوم من المعنيين في البلدين، تفعيل الجانب الفني والثقافي بشكل عام من خلال تبادل الزيارات، وان يترافق هذا مع المشاريع الاستثمارية التي تنوي السعودية القيام بها لاعادة اعمار العراق، لتستقر العلاقة على اسس متينة، تغذيها المشاعر المشتركة التي تربط البلدين العربيين قبل ان أي وصف آخر لهما.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1