تلقّى قرار النفي من الحاكم الأعلى، الى منطقة نائية مقفرة، ولا حياة فيها؛ من نبات وحيوان وانسان، وهو يحمل أعظم شهادة تقدير يحلم بها أي انسان يعنون به ذاته وشخصيته، في حياته وبعد مماته، بيد انه يموت هو؛ وزوجته وابنه في هذا المنفى من الجوع والعطش، ولكن هذا الموت تحول الى حياة تستلهم منه الاجيال كيفية التسامي على الجراح وتحدي مختلف الضغوط؛ النفسية منها والجسدية من اجل قضايا كبرى، والأهم من كل ذلك؛ تجاوز هذه الشهادة العظيمة والوسام الذي قلّده النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، حيث قال: "ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء عن ذي لهجة أصدق من أبي ذر".

من مثل أبي ذر، كان بامكانه تبوء منصب سياسي او وجاهة اجتماعية، لكنه لم يفعل، وهكذا كان توجه الصحابي الجليل الآخر؛ سلمان المحمدي، الذي كان "من أهل البيت"، بيد أنه عاش بعيداً عن الاضواء والامتيازات، بينما نلاحظ اشخاص مثل الزبير، الذي جرّد سيفه بوجه الإمام علي، بذريعة أنه كان من المدافعين الاوائل عن رسول الله، في حروبه وغزواته، وهو ما أقره له الامام، عليه السلام، ولكن بعد مصرعه في معركة الجمل، بقوله: "طالما كشف الكرب عن وجه رسول الله"، وبدلاً من أن يهدي هذا السيف صاحبه الى الجنة والذكر الطيب في التاريخ، ساقه الى النار، فلم تشفع له مآثره وبطولاته.

إن الذي يكتسب العلم والمعرفة والتجارب ويقوم بأعمال مميزة وكبيرة، لا شك انه يتطلع الى اهداف كبيرة ايضاً، بيد ان هذه الاهداف بحاجة روح رياضية ونفس مطمئنة، كون الانسان لا لا يريد ان يكون عالماً خارقاً، او أديباً مؤثراً لنفسه، بل لأن تكون انجازاته حاضرة بين الناس، فاذا كان ينوي إيصال ثماره الى أيدي الناس، لابد وان ينحني قليلاً، وهل يعقل أن تكون الاشجار المثمرة عالية وشاهقة مثل اشجار الغابات المطرية في المناطق الاستوائية؟!

فالمسألة بحاجة الى تحدي نفسي، بعد التحدي البدني والذهني الذي يبذله الطامحون العظماء لبلوغ المراتب العالية، وإلا فان العالم – في اي مجال كان- يبقى كأي واحد من افراد المجتمع، يخرج من بيته صباحاً ليعود اليه مساءً ويفكر بسد احتياجات بيته وعائلته ونفسه ايضاً، وهكذا الشخصيات المميزة، مثل؛ الخطباء والادباء والفقهاء.

ينقل عن المرجع الديني الكبير السيد ميرزا محمد حسن الشيرازي – طاب ثراه- أنه استقبل ذات يوم في مجلسه بمدينة سامراء شخصاً، بالغ في إكرامه واحترامه، فأثار ذلك المقربين منه، وسألوه عن سبب هذا التمييز في التعامل مع هذا الشخص، علماً ان المرجع الكبير كان معروفاً بدماثة خلقه وحسن تعامله مع الجميع، فقال لهم: بان هذا الشخص كان زميلاً له في الدراسة الحوزوية، وكان رفيقاً له حتى مرحلة الاجتهاد، وفي طريق العودة الى مدينته، توقف في احدى المدن ليستريح فيها، وعندما حلّ موعد الصلاة، سأل عن سبب عدم سماعه للأذان، فقالوا: وما هو الأذان؟!، ثم سألهم عن وجود مسجد في المدينة، فقالوا هذه المرة: وما هو المسجد؟!! فعرف هذا العالم أن أهل هذه المدينة لا يعرفون عن الدين شيء، وهم مسلمون بالقول وليس بالعمل، فقرر البقاء في هذه المدينة لرفد ابنائها بالثقافة الدينية والاحكام والتشريعات، فضحّى بمستقبله العلمي، وتوقف عن الدراسة والتدريس، وغضّ النظر عن مرتبة المرجعية الدينية من اجل التبليغ للدين في هذه المدينة، وأن يكون أهلها مسلمون حقيقيون.

فكم مرجع دين كان في تلك الفترة في البلاد الاسلامية؟ ولكن؛ كم عالم مصلح برز في تلك الفترة الى جانب ذلك العالم؟ بل كم مرجع دين شهدته البلاد الاسلامية، وعاصرته الشعوب؟ ولكن؛ كم مرجع دين قاد مشروعاً إصلاحياً ودعا الى النهضة والبناء والتقدم؟

ورب سائل عن سبب هذا التحول سلوك الشريحة الواعية والمثقفة مع ابناء المجتمع والامة، فقد شهدنا في الفترات ليست بالبعيدة جداً، كيف أن المعلم في المدرسة الابتدائية يمارس دور قيادي مع التلاميذ الصغار؛ يتابع حياتهم الخاصة وأخلاقهم وسلوكهم فضلاً عن مستواهم والدراسي، وهذا كان على سبيل المثال لا الحصر.

هنالك اسباب وعوامل عدّة، ابرزها؛ الانكفاء على الذات والابتعاد عن واقع المجتمع الامة، ليس هذا فقط، وإنما زيادة عليه بكيل الاتهامات وإلصاق السمات غير الدقيقة، من قبيل؛ الجبن والتخاذل والخيانة والازدواجية وغيرها كثير، علماً ان المتحدث لا يمكنه إنكار انه الابن الشرعي لهذا المجتمع، ولم يأت من عالم آخر، ثم راح البعض يفكر بالتكريم والتقدير من هذه الجهة او تلك، وهو نفس التكريم والتعظيم الذي تجاوزه العظماء والابطال في التاريخ، بدءاً من بالامام علي، عليه السلام، والكوكبة الصالحة من حوله، ومروراً بمجرى التاريخ الاسلامي، وحتى عباقرة العلم في العالم الغربي، مثل؛ مدام كوري، ولوئي باستور، وكرستوف كولمبوس، وغيرهم كثير ممن ناضلوا، ليس فقط لتحقيق منجزهم العلمي، وإنما لمواجهة سيول من التشكيك والتسقيط والتهميش، ولكن؛ أين هم اليوم، وأين أولئك الذين وقفوا امامهم آنذاك؟

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4