بالتّأكيد، لم تقصُد المرجعيّة الدّينيّة العليا، عندما دعت اليوم في خطبة صلاة الجمعة في الصحن الحسيني الشريف الى توثيق الحرب على الارهاب لحفظ الواقع تاريخاً للاجيالِ القادمة، لم تكن تقصد بذلك توثيق الزّيارات الاستعراضيّة للمسؤولين، خاصة الفاشلين منهم والذين كانوا سبباً مباشراً لكلّ التّحدّيات الّتي يمرُّ بها العراق البوم وهو يقاتل الارهاب في ثلث الاراضي العراقية بعد ان تمدّدت فقاعة (القائد الضرورة) بالشَّكل الذي نَعرفُهُ.

انهّا تقصد توثيق الحرب على الارهاب في جبهتين؛

الاولى؛ هي جبهة الحقِّ التي يمثّلها البواسل في القوّات المسلّحة والابطال في الحشد الشعبي، بمن فيهم ابناء العشائر الغيورة، والمغاوير في قوّات البيشمركة، الذين يكتبون اليوم تاريخ العراق من جديد وبالدّم الذي أرخصوه من اجل حماية الوطن وصيانة الارض والعِرض والنّاموس والدّين والقيم ووحدة المجتمع وانسجام تنوّعه وتعايش تعدّديّته.

ان على كلّ مؤسّسات الدولة العراقية ومنظمات المجتمع المدني، وعلى كل مواطن ومواطنة، توثيق بطولات المقاتلين وإنجازاتهم واقوالهم ووصاياهم.

كما ينبغي توثيق الخطط العسكريّة التي تحقّق كل هذه الإنجازات والانتصارات العظيمة.

يجب ان ندوّن الواقع كتاريخ للأجيال القادمة، حتى لا ننسى وتنسى شيئاً منه، ومن اجل ان لا يتعرّض واقعنا الى عمليّة تزوير وتضليل تُسمّم عقول الأجيال الجديدة، او يصادر المغرضون إنجازاتنا ونجاحاتنا، فالمتربّصون والّلصوص والمتاجِرون بإنجازات الشعوب والمليون أب للانتصار كثيرون، يقفون على الأبواب يتحيّنون الفرص للانقضاض على كل شيء.

وليس من المبالغة في شيء لو قلت انّ حربنا على الارهاب هي أطهر وأقدس حرب يشهدها العراق الذي ظلَّ يخوض غمار حروب عبثية خلال القرن الماضي، أي منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة ولحد الامس القريب.

انّ تدوين وتوثيق هذه الحرب المقدّسة ستمنح الأجيال القادمة فرصة المقارنة والتمييز بين ما هو مقدس من الحروب وبين ما هو ليس بمقدس، خاصة بعد ان قلَبت الدّعاية التضليليّة لنظام الطاغية الذليل صدام حسين، فيما مضى، والاعلام العنصري والطائفي الذي ينهق كالحمير ليل نهار للنيل من الانتصارات الباهرة، يردّدها مشايخ ومؤسسات دينية فاسدة، اليوم، قلبت مفاهيم الحرب رأساً على عقِب لدرجةٍ لم يعد فيها المواطن، العربي تحديداً، يميّز بين مفاهيم المعاني والمصطلحات.

لقد زجّ النظام الملكي في العراق، حكم ٣٧ عاماً، الجيش (٥٤) مرّة في حروب عبثيّة ضد الشعب وفي الاتجاهات الأربعة من البلاد، في الشمال والجنوب والشرق والغرب، فيما زجَّ النظام الجمهوري، حكم ٤٥ عاما، الجيش في حروبٍ عبثيّة داخلية ومع الجيران ومع المجتمع الدولي، رَمَتِ العراق تحت طائلة الاحتلال والغزو الأجنبي، وكفى بذلك دليلاً على عبثيّة كل تلك الحروب.

امّا هذه الحرب، فهي تحرّر العراق وشعبه من أَسوء هجمة ظُلاميّة وبربريّة يشهدها التاريخ البشري، فهي تحرّر التاريخ والجغرافية والحضارة والمدنية والتراث وكل شيء، فضلا عن الارض والعرض والناموس والدين وكل شيء.

تخيّل لو انَّ الارهابيين كانوا قد نجحوا في بسط نفوذهم على كلّ العراق! أعرف ان مجرد تخيل المنظر هو أمرٌ مُرعِبٌ، فلقد راينا نموذجه في الموصل!.

الجبهة الثّانية؛ هي جبهة الباطل التي يُمثلها الارهابيون وحواضنهم ومن يقف خلفهم، فانّ على مؤسسات الدولة تحديداً، توثيق وتدوين كلّ الجرائم التي ارتكبوها، آخرها استخدام غاز الكلور السّام في جبهات القتال.

يجب توثيق هذه الجرائم من قبل مؤسّسات الدولة العراقية، كلٌّ حسْب اختصاصه، فانّ التماهل في توثيقها جريمةٌ قانونيةٌ يجب على العراقيين ملاحقة مرتكبها، فهو إمّا انّه جاهلٌ لا يعرف اهمّية التوثيق والتدوين، فها نحن نبّههُ الى ذلك، فلماذا لا يتعلّم ليتحمّل مسؤوليته الوطنيّة؟ او انّه مُتجاهِلٌ لحاجةٍ في نفس يعقوب يريد قضاها! ما يعني انّه مقصّرٌ في واجبه الوطني، ويستحقّ المحاسبة والعقاب.

يجب على الدّولة توثيق كلّ جريمة يرتكبها الارهابيون، مهما كانت صغيرة وغير ذي اهمية، ففي الحقيقة لا توجد في قاموس التّوثيق والتّدوين عبارة، غير مهم، او لا يستحق التوثيق، ابداً ابداً.

وانا اتساءل هنا؛ لماذا يحرص السّاسة على توثيق زياراتهم (الميدانية) وبالتفاصيل المُملّة، حتى صلاته الاستعراضية لم يغفلها التوثيق الدقيق! في الوقت الذي لا يعيروا فيه الاهتمام اللازم لما يستحق التوثيق ويجب ان يُدوّن؟.

انّ زياراتهم الاستعراضيّة وبطولاتهم الوهميّة، التي اعتبرها العراقيون دعايات انتخابية مبكّرة جداً جداً جدا،ً لن تكتب تاريخاً لشعبٍ بطلٍ كالشعب العراقي، كما انها لن تمحو الصّفحات السوداء في سجلّهم والتي تتحمل مسؤولية كلّ قطرةِ دمٍ تُراق اليوم في سوح الجهاد، فشسعُ نعلِ طفلٍ مجاهد في ساحات الوغى افضل من رؤوس الساسة الاستعراضيين المتفنّنين في سرقة جهود الاخرين والمتاجرة بدماء الشهداء ودموع الايتام والأرامل!.

لسنا بحاجةٍ الى توثيق الاستعراضات والبهلوانيّات، وانّما نَحْنُ بأمسِّ الحاجةِ الى توثيق الحقائق على الجبهتين، فبعضُها يُسبّبُ هبوطاً في المعنويّاتِ و.....الضّغطِ!.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0