من الحيلولة دون اتخاذ القرار إلى العمل على "احتواء تداعياته"

لأن النظام الرسمي العربي، لا يتوفر على أي قدر من "الجدية" و"المسؤولية"، وتراوح أغلب مكوناته بين العجز والتواطؤ، فقد جاء اجتماع وزراء الخارجية العرب، لاحقاً لقرار ترامب نقل السفارة والاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيلية... التفكير المنطقي كان يقضي بانعقاد هذا الاجتماع قبل أخذ القرار، وبوقت ليس بالقصير، للحيلولة دون اتخاذه، بعد أن توضع الإدارة الأمريكية أمام "جردة حساب" لما يمكن أن يصدر من ردود أفعال وتداعيات، ولتتعرف مسبقاً على "كلفة" هذا القرار وقيمة "فاتورته".

كنا جميعاً بانتظار القرار، والذين يتواصلون مع واشنطن كان يعرفون بأن "شيئاً كبيراً" سيحدث... والمسؤولون الأمريكيون لم يتركوا الأمر للصدفة أو المفاجأة... لم نؤخذ على حين غرة، ولم يهبط القرار علينا كالصاعقة... لكننا آثرنا أن نلوذ بصمتنا وعجزنا، وأن نقف متسمرين، بين مصدق ومكذب، وأغلبنا كان مصدقاً، فقد قالوا لنا بالفم الملآن: ترامب سينقل السفارة وسيعترف بالقدس الموحدة عاصمة لإسرائيل.

قبل القرار، كان يمكن لموقف موحد وصلب يصدر عن النظام الرسمي العربي، أن يحول دون اتخاذه، إرجاءه إن لم نقل إلغاءه... سيما إن اقترن الموقف العربي المشترك ببعض التهديد، وتم التلويح بعدد من الإجراءات والخطوات التي ستُتخذ إن "ركب ترامب رأسه" ومضى في مشروعه... بعد اتخاذ القرار، انتقلنا من الحديث عن الحيلولة دون اتخاذ القرار أو إرجائه، إلى حديث عن "احتواء تداعياته" والتقليل من آثاره السامّة والمدمرة... ثمة فجوة بين الحالتين والمستويين.

لكن العرب وحدهم من دون المجموعات الإقليمي، لا "نظام إقليمياً" يجمعهم، تحسبهم جميعاً بيد أن قلوبهم شتّى... معظم بلدانهم، تراوح بين العجز أمام واشنطن أو التواطؤ معها... من منهم غير مُمسَكٍ به بالمال والمساعدات، "ممسوك" بنقاط ضعفه الداخلية وصراعاته مع جواره... أما بعضهم منذ ذوي الطموحات الكبيرة، غير المستندة إلى إرث تاريخي أو عناصر اقتدار تبررها، فقد وجد ضالته في الاستخذاء أمام واشنطن واستجداء دعمها... فهي صارت مصدر الشرعية للحكام الجدد، وهي السند والظهير في حروبهم الممتدة على ساحات وجبهات عديدة.

كانوا "كرماء" معه في صفقات غير مسبوقة، لكن جشعه لتنازلاتهم لا يقف عن حد، ويريد منهم أن يمدوا أيديهم إلى قلوب الفلسطينيين وعقولهم، فينزعوا منها فكرة الحرية والسيادة والاستقلال، وينتزعوا من دولتهم عاصمتها السليبة، ومهد الرسالات السماوية الثلاثة، فكان أن وجد من تواطأ معه من أبناء جلدتنا، ما أغراه وأعمى بصره وبصيرته، وجعله يقرر من دون اكتراث أو حساب: القدس الموحدة عاصمة إسرائيل.

لقد تابع ترامب باهتمام وتشجيع ظاهرين، مسلسل التطبيع المتهافت لعواصم عربية قريبة وبعيدة مع إسرائيل... إذ حتى بعد قرار نقل السفارة، لم تخجل وفود عربية، خليجية تحديداً، من زيارة حائط المبكى، وتحت ستار حوار الأديان... وحوار الأديان بات بوابة جديدة للتطبيع، وغطاء "شرعياً" لسياسة التسول والتوسل... صورهم بالأمس في باحات الحائط، مستفزة لمشاعر الفلسطينيين والعرب، المسلمين والمسيحيين، إن لم تستح فافعل ما شئت، وهؤلاء لا يخجلون ولا يرف لهم جفن ولا دماء تجري في عروقهم... إنهم كتماثيل الشمع، تدار بالريموت كونترول، ودائما تحت غطاء كثيف من الدعوات الزائفة والمنافقة حول التسامح والحوار والتعايش، بئس التسامح إن كان غرقاً في مستنقع الذل، وبئس التعايش إن كان تحت بساطير "جيش الدفاع"، وبئس الحوار إن كان بين مهزوم ومنتصر، بين ذليل ومتغطرس.

لو كانت في النظام العربية بقية من نفس أو نبض، لما ظل هامداً إلى أن خرج علينا الرئيس الأمريكي بقراره الاستفزازي، ملوحاً ومنتشياً، ولما تجرأ على القول بأن هذا القرار "يخدم عملية السلام"... هو يعرف أنظمتنا أكثر منّا، وهو مطمئن إلى ردات فعلهم في نهاية المطاف، ولا يؤخذ بالبيانات التي لا تساوي الحبر الذي كتب فيها... هو يعرف أن الأمر لا يتعدى ركوب الموجة المؤقتة، وأن المياه ستعود لمجاريها قريباً، وكأن شيئاً لم يكن... هو يعرف ذلك بلا شك، وهو لم يقارف فعلته النكراء، إلا مدفوعاً بهذه المعرفة.

لكن الأمر الذي لا يعرفه، هو أن الفلسطيني الذي سيقبل بمشروع "وصفقة القرن" لم يخلق بعد، وأن لا دولة فلسطينية من دون القدس عاصمةً لها... وأن الكثرة الكاثرة من بيننا، تفضل خوض حرب المائة عام المقبلة، على أن تفرط بفلسطين وحقوق شعبها، وأن النصائح والتعهدات التي تلقاها من مسؤولين عرب، مقامرين وغير مجربين، سيذروها الريح، وأنهم وهم المهزومون على مختلف جبهات حروبهم ومعاركهم، لن ينتصروا في فلسطين، وأن هزيمتهم هنا، ستكون مجلجلة.

سيدرك السيد ترامب، وإن بعد حين، بأن من وعدوه بفرض الحصار على الفلسطينيين، سيجدون أنفسهم محاصرين، وأن فلسطين ستحاصرهم، وأن دماء أبناءها التي لم تتوقف عن الجريان منذ مائة عام، ستطاردهم... فلسطين أسقطت الكثير من الأنظمة والحكومات من قبل، ودرس الأيام القليلة الفائتة، يقول: إنها ما زالت قادرة على إسقاط المزيد منهم من بعد.

بعد أن تهدأ سورة الغضب

لأن النظام العربي الرسمي، لا يمتلك "خطة ب" للتعامل مع مرحلة ما بعد "انهيار عملية السلام" وتآكل حل الدولتين"... ولأن معظم، إن لم نقل جميع الحكومات العربية، ما زالت ترى ان "99 بالمائة من أوراق الحل في يد أميركا"... ولأن معظم الحكام النافذين في هذا الإقليم، يرون في إيران، وليس إسرائيل، عدوهم الأول والأخير... ولأن غاية كل هذه الحكومات هو استرضاء واشنطن بالاستخذاء لها، أو حتى مناكفتها... فلسنا على ثقة بأن قرارات ترامب الهوجاء الأخيرة، وما أثارته من ردود أفعال سياسية ودبلوماسية وميدانية، رسمية وشعبية، ستنتهي إلى تغيير ملموس في المقاربات والسياسات الرسمية العربية (بما فيها الفلسطينية)، بل ونذهب أبعد من ذلك للقول: أن جهوداً قد بدأت تبذل لقراءة ما بين سطور قرار ترامب، عل وعسى أن تجد فيه بعض حكوماتنا، ما يمكّنها من اجتياز هذه "القطوع" واستئناف يومياتها (وأولوياتها) المعتادة، وكأن شيئاً لم يكن.

ولا شك أن واشنطن، أدركت متأخرة، وربما أن بعض دوائرها كانت تدرك من قبل، أن قرارات بحجم الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها من تل أبيب، ستثير "سورة غضب" في مختلف أرجاء العالمين العربي والإسلامي، وهو ما حصل ويحصل... ولا شك أن الديبلوماسية الأمريكية لم تتفاجأ بمواقف مختلف دول العالم، الصديقة منها لواشنطن والعدوة لها... والمؤكد أن مسار احتواء التداعيات قد انطلق، وأن واشنطن قد اخذت في مدّ بعض الخيوط متأكدةً بأن من بين القادة والحاكم العرب، من سيسعى متلهفاً لالتقاطها.

أن يقول ريكس تيلرسون بأن عملية نقل السفارة من تل أبيب للقدس، سيستغرق وقتاً يتعدى العامين، فهذا أمرٌ يعرفه أي "مقاول" من الدرجة الثانية، فما بالك بالنسبة للذين على دارية بمعايير ومقاييس و"كودات بناء" السفارات الأمريكية في الخارج... لكن الرسالة من وراء هذا "التوضيح" واضحة للغاية... تيلرسون يريد القول أن هذه فترة كافية لإنجاز "صفقة القرن" وإنجاحها، فلم العجلة والتطيّر، وسيردد عربٌ كثر، صدى تصريحات تيلرسون و"توضيحاته" من دون شك.

وأن يقول تيلرسون، وتردد من ورائه نيكي هالي، أن قرار الرئيس لم يقترح حدوداً معينة للقدس، وأن أمر تقرير هذه الحدود وترسميها، متروك للمفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فمعنى ذلك أن القرارات الرعناء للرئيس ترامب، لا ينبغي أن تحدث تغييراً في أجندة دول المنطقة وأولوياتها... كوشنر سينتهي من إعداد "صفقة القرن"، ومايك بينس سيعرض ملامحها في رحلته القادمة للمنطقة، والرئيس ترامب سيعلن عنها رسمياً مطلع القادم، وعلى العرب والفلسطينيين الانتظار والانضباط، فلا شيء تغير سوى أن "القدس الموحدة"، باتت من منظور واشنطن، عاصمة أبدية لدولة إسرائيل، وللفلسطينيين أن يكتفوا بـ "أبو ديس" عاصمة لهم، وسيكون هناك ضمانات لحقوق الأقليات الدينية والقومية الأخرى في المدينة، وبما يذكر بنص وروح ومفردات "وعد بلفور" الشهير.

في المدى الفوري والمباشرة، وفي ظل "سورة الغضب" الشعبي التي اجتاحت المنطقة برمتها، لا تمتلك الحكومات العربية، سوى واحد من خيارين: ركوب الموجة وامتطاء صهوتها، أو الاعتصام بحبل الصمت بعد أن أدركها صباح السابع من ديسمبر المشؤوم، وسكتت عن الكلام المباح.

لكن هذه الحكومات، وبعد أن تهدأ شوارعها، ستعود لتذكيرنا بلغة "العقل" و"الواقعية"، "الحنكة" و"الحكمة"، وسيستحضر كتابها وإعلاميوها والناطقون باسمها، كل الأمثال والقصائد التي قيلت ونظمت في تمجيد شعار "ما لا يدرك كله لا يترك جله"... وسينبش مؤرخوها فصولاً منتقاة من كتب التاريخ للبرهنة على بؤس خيار "تفويت الفرض وإضاعتها"... وسيخرج علينا فقاؤها وأئمتها، بشروحات جديدة لمغزى "صلح الحديبية" ومراميه العميقة الصالحة لكل زمان ومكان.

بل وسيجد هؤلاء في الوقفة الدولية إلى جانب فلسطين والقدس، وانعزال واشنطن وتل أبيب، فرصة إضافية لتذكيرها بخطورة "تبديد الفرصة الناشئة وإضاعتها"... ليقترحوا في ضوء ذلك كله، استمرار نهج المفاوضات العبثية والاستمساك بأوسلو طريقاً وخياراً، والقبول بالمعروض والممكن اليوم، حتى لا يصبح عصياً على التحقيق في الغد... سنسمع الكثير عن "ضبط النفس" و"عدم الانجرار" و"عن تربص المتربصين"... وسيقال أن الالتفاف حول القرار الأمريكي ممكن، إن بقينا في حضن واشنطن، وحرصنا على عدم عزلها وإبعادها، حتى لا توغل في انحيازها المتطرف لإسرائيل ويمينها الديني والقومي.

وبدل أن تتواصل الضغوط والجهود لإسقاط القرار الأمريكي، وإخراج القضية الفلسطينية من قبضة "الوكالة الحصرية" لواشنطن، سنرى وجهة هذه الضغوط قد تبدلت، وتحولت صوب رام الله وغزة، بهدف إبقاء الفلسطينيين، في إطار "ردود الأفعال العقلانية"... وبعد ان تكون واشنطن قد فرغت من تقديم "القدس الموحدة" على طبق من فضة لإسرائيل، سيجهد بعض العرب في تقديم "رأس اللاجئ الفلسطيني" على الطبق التالي، وربما سيتبرع بعض الأخوة والأشقاء، في تقديم المال والأرض لتوطين اللاجئين، والبحث عن موطن جديد للفلسطنييين، بعد أن يكون وطنهم الأصلي قد تآكل بفعل الضم والاستيطان الزاحفين... أليس هذا هو "الإطار الإقليمي" للحل من وجهة نظر ترامب؟... أليست هذه هي مضامين تسريبات "نيويورك تايمز" و"فوكس نيوز" عن "صفقة القرن" وأدوار مختلف الأطراف العربية فيها؟

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق