طوى اليمنيون صفحة الرئيس علي عبد الله صالح الذي حكمهم لأكثر من ثلاثة عقود، بعد أن قُتل على يد حلفائه الحوثيين على خلفية تحالفه الأخير مع التحالف العربي، متوسطاً الإمارات لدى المملكة العربية السعودية من أجل اشراكه في التحالف الذي تقوده السعودية ضد اليمنيين.

صالح الذي ازيح عن الحكم بعد ثورات الربيع العربي التي اطاحت بعدد من الرؤساء العرب، وعلى الرغم من أن ثورة الشعب اليمني لم تتمكن من الإطاحة به، إلا أن الموقف الأمريكي -الخليجي بزعامة السعودية كان عامل الحسم في تنحيه عن الحكم. لم يتنازل صالح عن طموحه السياسي في الرجوع إلى سدة الحكم مرة ثانية.

هذا الطموح توجه الرئيس بعلاقات قبلية متشعبة من خلال اعضاء حزبه "حزب المؤتمر الشعبي العام" الذين استغلهم في بناء شبكات من العلاقات الاجتماعية والسياسية مع معظم القبائل اليمنية، إلا أن مواقفه السياسية وتحالفاته غير الموثوقة قد اطاحت به هذه المرة ليس سياسيا وإنما اطاحت بحياته بعد أن قتله "أنصار الله الحوثيين" مع مجموعة من اعضاء حزبه قرب العاصمة اليمنية صنعاء يوم الإثنين من كانون الأول/ديسمبر 2017. لتطوي اليمن صفحة الرئيس صالح، ويبدأ التساؤل عن مستقبل اليمن بعد مقتله؟

وتفاوتت الاقوال في وصف سبب مقتل صالح، فقد رأى البعض بأن طمعه السياسي وحبه السلطوي كان السبب الرئيس في مقتله، ورأى البعض الآخر بأن طبيعة تحالفاته السياسية وهشاشتها البنيوية وعدم قراءته للمشهد السياسي اليمني بشكل واقعي كان السبب الأبرز في انهاء حياته بهذا الشكل.

وعلى الرغم من تعدد وجهات النظر في مقتله، إلا أن الجميع يكاد يتفق بأن مقتل صالح زاد من ضبابية المشهد السياسي اليمني، وخلط أوراق التحالف العربي – السعودي، لاسيما وأن المملكة العربية السعودية كانت تريد أن تستغل تحالفها الأخير معه في حربها ضد الحوثيين وانهاء سيطرتهم على العاصمة صنعاء. كذلك هناك أسئلة كثيرة تُثار بشأن مستقبل حزبه وقواته التي تدين له بالولاء، والتي لم تعترف بشرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي لحد الآن؟ كذلك هناك اسئلة تثار حول دور التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، وهل من الممكن أن يكون سيناريو مقتل صالح عامل مساعد لبسط سلطة الرئيس الحالي أم عامل تعقيد؟

ربما يكون مقتل علي عبد الله صالح عاملاً مساعداً للجهود السياسية والعسكرية السعودية من خلال سيناريو توّحد القبائل اليمنية وانصار صالح مع القوات المدعومة سعودياً ضد الحوثيين، وهنا يكمن الحديث عن القوى التي من المرجح أن تتوحد لمقاتلة الحوثيين، وهذه القوى متمثلة بالانتفاضة الشعبية التي تمثلها الثورة اليمنية ضد الحوثيين والقبائل اليمنية التي اعتبرت مقتل صالح اهانة للقبيلة اليمينة بشكل عام، والحرس الجمهوري الذي جيشه الرئيس الراحل للدفاع عنه وحافظ عليه حتى بعد أن تمت تنحيته من هرم السلطة اليمينة، فضلاً عن ما يسمى بالقوات الشرعية الداعمة للرئيس الحالي ودور التحالف العربي – السعودي في اسناد تلك القوات ومدها بالمال والسلاح.

وعلى المستوى السياسي من الممكن أن يكون مقتل صالح نقطة تحول في المسار السياسي اليمني، فقد تشهد المرحلة المقبلة تحالف بين ما يسمى بالشرعية السياسية "جناح الرئيس عبد ربه منصور هادي" وبين قيادات حزب المؤتمر الشعبي المستائين من الحوثيين بعد مقتل زعيمهم، ومن شأن هذا التحالف الاتفاق على الحل السياسي وفق المرجعيات الثلاثة التي تم التحاور عليها في الكويت وجنيف.

وربما أيضاً تدفع الإمارات بنجل الرئيس الراحل أحمد إلى قيادة القوات الكبيرة التي كانت تقاتل مع الحوثيين ضد قوات الشرعية المدعومة من التحالف العربي من أجل توحيد الصف اليمني ضد أنصار الله، على الرغم من الخلاف السابق بين الطرفين. أو أن يكون المشهد السياسي معقدا إمام التحالف العربي في توحيد الصف اليمني ضد الحوثيين؛ لأن اعضاء المؤتمر الشعبي ربما يحملون التحالف العربي والمملكة العربية السعودية "على وجه التحديد" مسؤولية ما حصل لهم ولرئيسهم، أو أن ينقسموا فيما بينهم ويردوا على اهداف التحالف العربي بالتحالف مع الحوثيين مرة أخرى "على الرغم من صعوبة ذلك"، لكن كل شيء جائز، فزعيمهم الراحل تلاعب بالتحالفات السياسية بين الطرفيين عدة مرات.

وبغض النظر عن ذلك، سيحاول الحوثيون بعد مقتل صالح التحرك بسرعة من أجل تعزيز سيطرتهم على العاصمة صنعاء وإعلان سيطرتهم على كامل الدوائر الحكومية والمراكز والمعسكرات التي كان صالح وجماعته يسيطرون عليها.

بشكل عام يبدو مستقبل المشهد السياسي اليمني معقدا جداً، في ظل اصرار المملكة العربية السعودية على الاستمرار بالحل العسكري، واصرار الاطراف الأخرى على مواجهتها بالمثل، لاسيما مع استمرار الحصار الاقتصادي على المدنيين وانتشار أمراض الكوليرا التي فتكت بالكثير من الأبرياء. ولهذا فإن فكرة توسيع الحرب ضد الحوثيين أو استغلال مقتل صالح من أجل توسيع المعركة ضد الحوثيين ومحاصرة المدنيين، فكرة خاطئة.

وإن فكرة الحل السياسي تبدو أكثر قبولاً وأكثر واقعية؛ وذلك بسبب التعقيد السياسي الحالي والانقسامات الداخلية التي تعصف بالبلد. وهذا يتوقف على إرادة القوى الإقليمية الفاعلة في المشهد اليمني وعلى قوة الإرادة السياسية والعشائرية للقوى السياسية والاجتماعية في اليمن، وليس هناك بديل يمكن أن يفضي إلى حل الأزمة اليمينة غير الجلوس الى طاولة المفاوضات السياسية بين كل الاطراف المتخاصمة للحوار ومشاطرة السلطة بين القوى السياسية اليمنية.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2017
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0