التغيير السياسي في العراق قد فتح افاقاً جديدة نحو التقدم بمختلف البنى والهياكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، بعد ان كانت متقوقعة نحو سلوك معين يتخذ من شخص وحكم واحد يسعى لتوجيه المجتمع نحو سياسة معينة تتناسب وطموح وتطلعات النظام، دون النظر لطموح المجتمع وتسليط موارد الدولة نحو خلق تنشئة سياسية موجهة بهدف تثبيت وبقاء النظام لأطول مدة ممكنة.

وبالرغم من الاخفاقات التي رافقت مسيرة العملية السياسية من 2003 وحتى اليوم والبقاء في ديمومة الانتقال الديمقراطي دون الوصول للديمقراطية الكاملة، فهذا لا يفند وجود محاولات لتصحيح المسار وبعضها قد نجح باجتياز المرحلة بتضافر جهود مشتركة، فاليد الواحدة لا تصفق كما يعبرون وبالتالي تحتاج الى مساهمات مشتركة وفردية ومن امثلة ذلك الرقابة الشعبية على مؤسسات الدولة والتي جزء مهم من الرقابة وقبل الخوض في تفاصيلها لا بد من تعريف معنى الرقابة بصورة عامة.

في ابسط تعريف للرقابة: هي تلك العملية التي تحاول التأكيد على أن النشاطات الفعلية تتوافق مع النشاطات المرغوب فيها أو الأهداف التي سبق تحديدها، فالرقابة تعمل على كشف مكامن الاخفاقات والانحرافات ومحاولة تصحيحها وايضاً تعمل الرقابة على تزويد المدير او المسؤول بتغذية راجعة تساعده في تحديد ورسم الأهداف المستقبلية ووضع المعايير أو المقاييس اللازمة، وبالتالي هي عملية مقارنة ما بين المخطط والمنجز وكشف الاخفاق والانحراف عن المسار الذي خطط له.

اما الرقابة الشعبية فهي: وسيلة من وسائل المجتمع عبر احقية كل مواطن في ممارسة الرقابة على مؤسسات السلطة التنفيذية والتشريعية وحتى القضائية واكثر من ذلك يشارك بإصلاحها وتعديل اعوجاجها بالطرق السلمية والنقد البناء الذي يصب في المصلحة العامة.

وفي حالة العراق فالرقابة الشعبية وعلى غرار اكثر دول العالم هي رقابة غير رسمية بمنعى غير متأطرة باطار قانوني او دستوري وهو ما تسعى اليه بعض الدول ذات الانظمة الحديثة وهو ما يعني بقائها ضمن الاطار الشعبي باعتبارها حقاً من حقوق المواطنة والتعبير عن الرأي ليس حكراً على شخص بل حقاً عاماً كفله الدستور، ومن هذه الناحية تتأتى الرقابة الشعبية على وفق دوافع دينية واخلاقية وفوق كل ذلك دوافع وطنية للمساهمة في تصحيح وتصويب الخطأ وكشف الانحراف بأية مؤسسة حكومية وغير حكومية ممن تعنى بشؤون المواطن.

وعلى هذا المنوال هناك عدة طرق تمارس من خلالها الرقابة الشعبية على كافة السلطات ومن ضمن تلك الوسائل التالية:

1- الجمهور او الرأي العام:

كما اسلفنا هو حق من حقوق المواطن العراقي ممارسة دوره في النقد البناء عبر صياغة اراء باتجاه ممارسة الضغط نحو تشخيص خطأ معين او الاعتراض على قانون معين يراه عامة الجمهور انه يؤدي الى الاضرار سواء بالمال العام او بشريحة من شرائح المجتمع وهنا تجتمع تلك الآراء وممارسة الضغط على الجهة المعنية اما لإلغاء ذلك القرار او القانون او التشريع، وامثلة ذلك كثيرة كما هو حال الضغط الجماهيري والتظاهرات لتغيير مفوضية الانتخابات او لإلغاء رواتب النواب التقاعدية او لتقليل مخصصات الدرجات الخاصة او للمطالبة بالحماية الاجتماعية وحتى ان لم يتحقق جميع ما طالب به الرأي العام الا انها صححت او عدلت او تم الغاء بعضها وهو نقلة نوعية تؤسس لظاهرة صحية مستقبلاً.

2- الاحزاب ومنظمات المجتمع المدني:

تتعدد هي الوظائف التي تقوم بها الاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني المختصة فبالنسبة للأحزاب تقع عليها مسؤوليات اجتماعية اضافة الى مهامها السياسية، فهي حلقة الوصل ما بين المواطن والمسؤول عبر نقل معاناته ومتطلباته للسلطات المختصة، اضافة الى انتقاد وتشخيص وتقييم اداء السلطات الثلاث بالطرق المسموح بها، ايضاً منظمات المجتمع المدني تقوم بتقييم وتشخيص الاخطاء كلاً بحسب تخصصه فبعضها تهتم بشؤون المرأة والبعض الاخر بحقوق الموظفين او بعضها تهتم بمراقبة اداء مجلس النواب وتقوم بمتابعة ما هو معلن من مشاريع قوانين وما هو منجز وغيرها من المنظمات التي غالباً ما تتابع وتراقب بعض القرارات التي تمس شريحتها وتحاول تأشير مكامن الخلل فيها.

3- الاعلام:

تلعب وسائل الاعلام دوراً ريادياً في موضوعة الرقابة بشكل عام والشعبية على وجه الخصوص لكونها الاقرب والاسرع وصولاً للرأي العام والاكثر تأثيراً في المجتمع العراقي اليوم مع التطور الحاصل لا سيما مواقع التواصل الاجتماعي في اظهار الاخفاقات للرأي العام لأخذ دوره الرقابي والتعبير عنه اما بممارسة ضغوط على النواب او الاحزاب او عبر وسائل الاعلام نفسها، وعلى رأس كل ذلك لعبت وسائل الاعلام دوراً مهماً في كشف ملفات الفساد امام السلطات المختصة كي تمارس دورها في محاكمتهم.

هذه الوسائل بحد ذاتها تعتبر تطوراً ملحوظاً في مسارات عمل الرقابة الشعبية التي تقع على عاتق مسؤوليات المجتمع ككل وتنمي من قدرته التصحيحية وتساهم بنشر الوعي وبث روح المواطنة وبالتالي تجعل من المواطن العراقي يشعر بالمسؤولية اتجاه وطنه ككل عبر ممارسته الرقابة على اداء مؤسساته المختلفة ومساعدة السلطات المختصة على تنفيذ دورها.

مع ذلك تحتاج الرقابة الشعبية لعدة امور تساهم بتطورها ومنها:

1- النقد شيء ايجابي لكن يحتاج ان يكون بناءاً يستند الى ادلة منطقية تعزز موقفه، وهو ما يقع على عاتق المواطنين فالرقابة مسؤولية تقع على عاتق الجميع.

2- الابتعاد عن اثارة الامور بصورة فوضوية وضياع الهدف وانما تنظيم المطالب بصورة رسمية واللجوء الى وسائل الضغط السلمية لتصحيح الخطأ الملاحظ والذي لا يتناسب ما بين الهدف المرسوم والمنجز.

3- في بعض الدول المتطورة وضعت في ميزان حساباتها الرقابة الشعبية وبوبتها في اطار قانوني لتأخذ دورها بشكل رسمي والعراق اليوم بأمس الحاجة لذلك لكثرة وتداخل المشاكل المحيطة.

4- للأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والنقابات المهنية والمختصين الدور الاكبر في ممارسة الرقابة ومتابعة عمل المؤسسات بشكل مكثف وتصحيح الاعوجاج في بعض القرارات.

5- على وسائل الاعلام لا سيما المستقلة منها لعب دور اكبر نظراً لقربها من المواطن وامكانية نقل ما يدور في ذهنه من رؤية اضافة الى تمكنها من الدخول للمؤسسات الرسمية والجهات المختصة وبنفس الوقت انتشارها على مديات واسعة وهذا يحقق لها اداة ضغط كبيرة.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2017
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0