اتفاق المواقف الايرانية والتركية يقوض استفتاء استقلال اقليم كردستان


معروفة هي المواقف التركية والايرانية المختلفة بخطوطها العامة من قضايا المنطقة ولاسيما في العراق وسوريا في اطار التنافس الجيوسياسي بينهما في المنطقة لتعزيز النفوذ على الارض. وكذلك واضح ان ايران تدعم بقوة نظام الاسد والذي تدعم تركيا فصائل معارضه له وتطالب بتنحيه عن السلطة. كذلك تعمل الحكومة التركية على بناء جدار عازل على الحدود التركية الايرانية بطول 144 كم بهدف منع تسلل الجماعات المسلحة وتهريب المخدرات.

ورغم ذلك الاختلاف، يتضح الاتفاق في المواقف الايرانية والتركية حول قضية استفتاء اقليم كردستان الذي تصر القيادة الكردية على اجراءه في 25 ايلول المقبل. اذ اكد محمد باقري رئيس هيئة أركان الجيش الإيراني - في اول زيارة لرئيس هيئة الاركان الايرانية لتركيا منذ الثورة الإيرانية عام 1979، ولقاءه بالرئيس التركي يوم 17 آب الجاري- "أن لإيران وتركيا موقفا مشتركا معارضا للاستفتاء على استقلال إقليم كردستان العراق المزمع اجراؤه الشهر المقبل" . ونقلت وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية (ايرنا) عن باقري قوله "أن الطرفين التركي والإيراني أكدا على أن هذا الاستفتاء لو جرى سيشكل أساسا لبدء سلسة من التوترات والمواجهات داخل العراق وستطال تداعياتها دول الجوار". وشدد على القول "أن مسؤولي البلدين يؤكدون على أن هذا الأمر غير ممكن ولاينبغي أن يحدث".

هذا التقارب التركي الايراني يشكل نقطة تحول كبيرة ولافته في العلاقات التركية الايرانية، وتنبه الى اهمية الموضوعات التي تمت مناقشتها واهمها قضية استفتاء اقليم كردستان، وهي من اهم القضايا التي من بينها العمل والتعاون المشترك ضد جميع "التنظيمات الإرهابية" التي تهدد أمن المنطقة، ومواصلة التعاون من أجل بذل مزيد من الجهود لدعم أمن واستقرار المنطقة بشكل عام.

يشكل وجود نواة للدولة الكردية في المنطقة مصدر خطر كبير بالنسبة لإيران وتركيا ولاسيما مع امتداد القومية الكردية الى داخل اراضيهما وباعداد كبيرة. وهذا الامر يشكل عامل زعزعة للاستقرار الهش في المناطق الكردية في البلدين على حد سواء. فكلا البلدين يواجهان عمليات مسلحة بين الفينة والاخرى تتسبب بمقتل عناصر امنية ومدنيين. كما ان تطور اوضاع الاكراد في البلدين بوجود حركات سياسية ربما تملك مشروعا يتوافق مع مشروعات الاحزاب الكردية في العراق يشكل مصدر قلق كبير ايضا.

ففي ايران يوجد احزاب كردية عدة ومنها حزب الكوملة الكردستاني الإيراني، وحزب الحرية الكردستاني الإيراني ولديه جناح مسلح، والحزب الديمقراطي الكردستاني الايراني وهو أهم كيان سياسي كردي ونشأ عام 1946، وهو حزب يساري. ومع ان طموحه يقتصر على وجود حكم ذاتي في منطقة كردستان إيران ضمن فيدرالية، ولا يطالب بالانفصال، الا انه يشكل عامل خطر على النظام في ايران.

وفي تركيا يوجد حزب الشعب الديمقراطي، وحزب السلام والديمقراطية الذي تم حظر نشاطاته عام 2005 بعد اتهامه بعلاقته مع الانفصاليين الأكراد، فضلا عن حزب العمال الكردستاني الذي يتزعمه عبد الله أوجلان، المسجون حاليا، والذي انتهج العمل المسلح، سعيا لإقامة كيان كردي مستقل جنوب شرقي البلاد. وتعده كل من ايران وتركيا – ودول عدة اخرى - منظمة ارهابية.

كذلك يبدوا ان كلا البلدين يدركان جيدا ان وجود سلطة مستقلة بأجهزة ومؤسسات امنية (دولة كردية) قريبة من حدودهما سيشكل عامل مساند للحركات والطموحات الانفصالية للتيارات والاحزاب السياسية الكردية فيهما، وسيزيد من العمليات المسلحة على اراضيهما، لاسيما وان نظرائهم في سوريا استطاعوا تكوين جبهة كردية تحظى بدعم دولي –لاسيما من التحالف الدولي لمكافحة داعش- وهي قوات سوريا الديمقراطية.

كذلك يأتي الاتفاق الايراني التركي في هذه اللحظة من ادراكهما ان وجود سلطة كردية قريبة من حدودهما سيعزز تواجد الجماعات والاحزاب الكردية المعارضة لهما فيها وسيجعلها تمارس دورها بشكل اكثر مرونة. وهذا مايجري من الموقف التركي من حزب العمال الكردستاني الموجود في شمال العراق، وكذلك الحال مع ايران اذ لاننسى التهديدات الايرانية المتكررة لاقليم كردستان نتيجة وجود مقرات لكثير من الاحزاب الكردية الايرانية المعارضة داخل اراضي الاقليم ومنها الحزب الديمقراطي الكردستاني الايراني (حدكا) وعصبة كادحي كردستان (كومه له) وحزب الحياة الحرة (بزاك) وحزب كردستان (باك) وتقع مقرات اثنين من تلك الاحزاب في مدينة كويسنجق التابعة لمحافظة اربيل ومنطقة زركويز التابعة لمحافظة السليمانية.

كذلك لايفوتنا الادراك الايراني لمرحلة مابعد نشوء الدولة الكردية وهي قضية وجود العدو بالقرب من حدودها. فمباركة اسرائيل وتأييديها لاستقلال كردستان يجعل ايران تشعر بالخطر من مستقبل العلاقة بين الدولة الكردية وإسرائيل. كذلك ان حصول الاستقلال ولو بعد مدة طويلة – في ظل بعض المتغيرات الدولية - سيجعل الدولة الكردية واقع حال الامر امام العالم الغربي وفي مقدمته الولايات المتحدة الاميركية وبالتالي يتم استثمار ذلك لإنشاء قواعد عسكرية دائمة كما عرض رئيس اقليم كردستان مسعود البرزاني قبل اسابيع على واشنطن في محاولة منه لحملها على تغيير موقفها من الاستفتاء.

عليه تشكل الابعاد الامنية والسياسية موضع اهتمام كبير لدى صانع القرار في كل من ايران وتركيا. وهذه الابعاد ستشكل عاملا مشجعا لكلا البلدين لرفض الاستفتاء سياسيا وعبر الرسائل المباشرة او الاعلامية. ولايستبعد العمل العسكري لاسيما وان الرئيس التركي رجب طيب اردوغان اكد بعد لقائه باقري ان بلادة ستشن عمليات عسكرية مشتركة مع الجانب الايراني في اقليم كردستان.

وهذا الادراك يجب ان لايكون بعيد عن صانع القرار في العراق الذي يتعزز موقفه المضاد لإجراء الاستفتاء يوما بعد آخر عبر المواقف الاقليمية والدولية. وهنا لابد من الاحاطة بالأوراق التي يمكن ان تستثمرها القيادة الكردية لكسب ود جارها الشمالي تركيا عبر مواجهة حزب العمال الكردستاني والورقة الاقتصادية والتبادل التجاري وتصدير النفط. وكذلك الاوراق التي يمكن ان تستثمرها ذات القيادة مع ايران والمتمثلة بإيقاف التمرد الكردي ضد السلطات الايرانية عبر الحدود.

* رئيس قسم حقوق الانسان-مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2017
www.fcdrs.com


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (مقالات الكتاب)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك