حين يصبح الحديث عن (حق تقرير المصير) أحلاماً لتجزئة الأوطان التي تديرها أنظمة سياسية ديموقراطية منتخبة من الشعب مباشرة، تكون القيمة الحقيقية لحق تقرير المصير قد تم التجاوز عليها عمداً لأغراض مشبوهة، فهذا الحق الذي عُرِفَ في العلوم السياسية بأنّه مضمون لكل شعب أو أمة في أي مكان في العالم أن يكون له الحق في اتّخاذ قراره السياسي بشكل مستقل بعيداً عن أية تدخلات أجنبية في هذا البلد وبعيداً عن أيّة اعتداءات تشنها عليه الدول الخارجية، وقد جاءت مفردتا (شعب) و(أمة) ليستدل بهما القارئ النجيب الى مفهوم مكون بشري له رقعة محددة من الأرض يعيش فوقها وقد تم إحتواؤه بالطرق الإستعمارية الكلاسيكية أو بحروب جانبية أو بحرب أهلية داخلية.

لكن أين يكون ذلك المكون البشري كالمكون الكردي ضمن دولة إتحادية واحدة مثل العراق ولديها دستور قد تم التصويت عليه من قبل كافة مواطني البلد ومن ضمنهم المكون الكردي نفسه، فهذا ما يدعو الى رفض فكرة تقرير المصير من الاساس من قبل الدولة الإتحادية والشعب العراقي قاطبة، إذا بقيت مقررات الدستور الحالي نفسها.

لقد حاول السيد مسعود برزاني أن يقنع كرد العراق بأنهم مهمشون ومقصيون ومطالبهم غير مُجابة من الحكومة الإتحادية، وظل يعرض فكرة الإستقلال في كل مناسبة تتطلب ظهوره الإعلامي على اثر كل مشكلة سياسية داخل الإقليم، وكأن الربط بين مشاكله الداخلية مع شركائه في الإقليم وقضية الإستقلال والإنفصال عن العراق أصبحت متلازمة فيزيائية غير قابلة للقفز على تركيبتها التكوينية.

كما تم تسويق فكرة الإستقلال عن العراق سياسياً من قبل ابناء السيد مسعود مرات عديدة دون أن يكون لذلك المسعى صدى لدى الأطرف الكردية التي تعاني من التهميش والإقصاء بالفعل ونقص الرواتب والتمييز بالفرص والأشغال العامة ولكن من قبل سلطة اربيل وليس السلطة الإتحادية في بغداد، فرئيس الإقليم وحزبه المتفرد بالسلطة في الإقليم هو من طرد رئيس برلمان الإقليم من أربيل وهو من عطل المؤسسة التشريعية في الإقليم دون غيره، وتفجير بالونة الإستقلال هي ليست أكثر من لعب منظم بمشاعر القوميين الكرد الذين يحلمون بإقامة دولة تشمل كل أقاليم يسكنها كرد في الدول المتجاوة كإيران وسوريا وتركيا إضافة الى العراق.

أما ان يبدأ الحلم الكردي بالتحقق على حساب وحدة العراق التي صانها الدستور والذي صوت عليه الكرد أنفسهم وبموجبه إستحقوا المشاركة بالحكم في العراق الجديد، ولم تخفت لهجة الإقصاء والتهميش التي يلهج بها قادة أربيل دون السليمانية رغم المشاركة الفعلية في الدولة العراقية بدءاً من المشاركة في تأسيس مجلس الحكم العراقي في 31 تموز العام 2003، والذي أصبح مسعود البرزاني عضواً فيه وفيما بعد رئيساً له، الى منصب رئيس الجمهورية ووزير الخارجية ومن ثم المالية ووزير الثقافة مروراً برئيس أركان الجيش وقائد القوة الجوية وعدد هائل من اعضاء مجلس النواب وعدد كبير من قادة الفرق في الجيش والشرطة والمدراء العامين ورؤساء الدوائر والاساتذة الجامعيين.

تعزف القيادة الكردية في اربيل على وتر الإستفتاء الذي يقود الى الإنفصال عن العراق، وهذه هي إرادة الحزب (الديموقراطي) الكردستاني الذي تعززت (ديموقراطية) إسمه أكثر من خلال وجود السيد مسعود على رأسه منذ تشرين الثاني العام 1979، في المؤتمر التاسع للحزب الديمقراطي الكردستاني، حيث أن ثماني وثلاثين سنة في قيادة الحزب وتمكين أبنائه من المناصب العليا والخطرة في الإقليم هي قمة الديموقراطية التي يتغنى بها البارتيون وأنصارهم والتي منها ينطلقون الى فكرة إستقلال الإقليم عن العراق وتأسيس دولة يحكمها السيد مسعود الى ماشاء الله من عمره المديد، بعد أن تربع على عرش رئاسة إقليم كردستان العراق منذ 12 حزيران العام 2005 كأول رئيس لإقليم كردستان ومايزال منذ إثنتي عشرة سنة في المنصب ذاته وهو في عز (ديموقراطيته) و(تداوله السلمي) للسطة، ثم يورثها الى ابنائه الذين تدربوا جيداً على الديكتاتورية وإدارة تكميم الأفواه ومصادرة الحريات العامة في الإقليم.. في ظل هذه الديموقراطية المضببة ولاشرعية رئيس الإقليم مثار التذمر.

منذ أن فجر السيد مسعود بالون الإستفتاء على إستقلال الإقليم من العراق وهو يراوح بالخطب والكلمات التي تضخ الهاجس القومي عند الكرد تارة وتمتص غضب مناوئيه في الإقليم ورفض الحكومة الإتحادية ودول الجوار والولايات المتحدة وروسيا والإتحاد الأوروبي تارة أخرى، فلم يأبه الرجل بمعارضة شركائه السياسيين في الإقليم وعلى راسهم حركة التغيير (كوران) ونصف قيادة الإتحاد الوطني الكردستاني والجماعة الإسلامية لإجراء الإستفتاء لتعارضه تماماً مع الدستور العراقي النافذ والقواعد السياسية للمعاهدات الدولية إضافة الى تعارضه مع القيم الإخلاقية للتعامل الوطني بين أفراد المجتمع الواحد حيث يتبنى حزب واحد مقطوع من شجرة الوحدة الوطنية حتى داخل الإقليم، فكرة الإستقلال عن الوطن الأم من طرف واحد.

لقد دعت الحكومة الإتحادية حكومة إقليم كردستان مرات عديدة للجلوس والتفاوض حول حصة الإقليم من الموازنة العامة للبلاد وبالمقابل ماعلى الإقليم من إلتزامات مالية تجاه وزارة المالية الإتحادية فيما يخص عائدات النفط المصدر من الإقليم دون علم وعدادات شركة سومو في وزارة النفط الإتحادية، وقد أطلقت حكومة العبادي بالفعل الأموال لسد النقص الحاصل في ميزانية الإقليم لدعم الرواتب، لكن حكومة الإقليم ـ ولنكون واضحين ـ عائلة السيد مسعود تمادت في الإستهانة بمواقف الحكومة الإتحادية وإستمرت بتهريب النفط العراقي الى الخارج وبخاصة نفط كركوك المدينة العراقية دون أن يعرف أحد من الحكومة الإتحادية أو البرلمان العراقي أو برلمان الإقليم أو أحزابه السياسية أي مصير للأموال المتحصلة من تهريب النفط ذاك.

لقد وصلت العنجهية ببعض القادة الكرد أن يصدّروا فكرة الإستفتاء الى خارج الإقليم بحدود محافظاته المعروفة رسمياً ليشمل محافظات اخرى يتواجد فيها مواطنون كرد.. بل لقد وصل الامر بأحدهم أن يطالب بإستفتاء المواطن الكردي الذي يعيش في شارع الكفاح في بغداد منذ مئات السنين والمواطن الذي يعيش في قضاء مندلي وشيخ سعد ناحية السعدية منذ آلاف السنين.. وإذا أجاب بنعم كيف سيكون مصيره ومصير عائلته وداره ومحل عمله في المدينة التي يعيش فيها خارج الإقليم.. وما دخل هذا المواطن بإستقلال إقليم لايعيش فيه؟

إن هذا الإستفتاء ماهو إلا ورقة محروقة يحاول أن يلعب بها السيد مسعود بعد أن إتضح له في الأفق القريب إنتهاء صلاحياته السياسية وضآلة نجوميته وتبدد رمزيته القومية والعائلية التي ورثها من أبيه وحسب، حيث تتحدث السيرة الذاتية للسيد مسعود البرزاني عن عدم حصوله على أية شهادة دراسية سوى الإبتدائية التي درسها في بغداد، بعد أن انتهت منذ سنوات صلاحياته الشرعية وأصبح وجوده في أربيل غير مرغوب به من قبل الشعب الكردي خاصة والشعب العراقي عامة نتيجة ما يفتعله من مشاكل وتخرصات تساهم في تعميق هوة التفرقة القومية في العراق الواحد، مما يستوجب من الحكومة العراقية أن تغلق باب التنازلات التي يحاول المفاوض البرزاني ان ينتزعها بصدد كركوك أو غيرها لاسيما وإن الوفد المزمع إرساله من أربيل الى بغداد قد تم الطعن في شرعيته من قبل حركة التغيير الكردية قبل وصوله الى بغداد مما يحتم عل حكومة بغداد أن تضع حداً للضغوطات التي تمارسها حكومة اربيل المحلية وعد فسح المجال مطلقاً للحديث والتفاوض حول الإستفتاء البرزاني بصيغته وتوقيتاته الحالية المنافية لنص وروح الدستور العراقي النافذ، والإكتفاء بمناقشة الملفات العالقة وحل الخلافات وفق الدستور والقانون، ومراعاة مصالح المواطن الكردي في الإقليم والمواطن العراقي خارجه وبعيداً عن قضية الاستفتاء اللاشرعي مطلقاً.

"وربَّ قولٍ أنفذُ من صول"...

* ناصرية دورتموند ـ ألمانيا

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0