فاجئ العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز فجر يوم الأربعاء 21يوينو/حزيران العالم أجمع بحزمة قرارات ملكية، كان بطلها ابنه الأمير "محمد بن سلمان" الذي نصب ولياً للعهد بعد تنحية ابن عمه الأمير "محمد بن نايف" من منصبه.

هذه الحزمة من القرارات كانت لها صدى واسع وكبير خارج المملكة، وقد وصفها البعض بالانقلاب المحكم من قبل الشاب وولي العهد الجديد محمد بن سلمان أو ما سماه البعض بالانقلاب الناعم، الذي يخفي وراءه العديد من المفاجئات السياسية بالنسبة للمملكة، وقد يتساءل البعض عن اهداف ومؤشرات هذا الحزمة من التغيرات الوزارية وانعكاساتها على البيئة الداخلية والخارجية بالنسبة للمملكة، ودور محمد بن سلمان فيها؟

بالتأكيد يتماشى الهدف السعودي الأساس من خلال هذه التغيرات المستمرة في الديوان الملكي مع رؤية صانع القرار السعودي وتطلعاته المستقبلية في الحفاظ على طبيعة الدولة السعودية وزيادة مكانتها السياسية والاقتصادية والعسكرية في البيئتين "الداخلية والخارجية"؛ وذلك وفقاً للخطة الاستراتيجية التي وضعتها المملكة لعام 2030. لكن تبقى هناك تّغيرات احادية الجانب، وهي انعكاس لرؤية الملك السعودي في تغيير قواعد التوريث المتبعة في المملكة منذ تأسيسها، والممتدة عمودياً في أبناء الملك المؤسس، في محاولة منه لتقديم ابنه الشاب محمد بن سلمان بدلاً عنه.

هذه القرارات التي استهدفت بينة النظام السعودي، هي جزء من مجموعة تّغييرات في الديوان الملكي ومجلس الوزراء السعوديين، التي قام بها الملك بن سلمان منذ توليه عرش المملكة، وقد تكون لها انعكاسات سياسية على المستويين "الداخلي والخارجي"، وربما تعيد رسم خارطة النظام السعودي في المستقبل القريب، لكن توقيت هذه التغييرات ربما تثير بعض التساؤلات، لاسيما بعد تولي دونالد ترامب إدارة البيت الأبيض، وزيارته الأولى للمملكة العربية، ومخرجات القمة الإسلامية – الأمريكية، والاتفاقات المشتركة بين الجانبين، فضلاً عن تعّكر صفوة العلاقات الخليجية بين السعودية وقطر.

فولي العهد الذي تمت تنحيته "محمد بن نايف" يتمتع بعلاقات جيدة مع الأسرة الحاكمة في قطر وبعلاقة متذبذبة مع الأسرة الحاكمة في الإمارات، على العكس من ولي العهد الجديد محمد بن سلمان الذي يرى بالأسرة الحاكمة في الإمارات حليفاً سياسياً افضل بكثير من الأسرة الحاكمة في قطر، وقد تكون العلاقة القوية التي تربط أمير قطر ومحمد بن نايف احد انعكاسات هذه التغيرات؛ الأمر الذي يرجح كفة الرأي القائل بأن الأزمة مع قطر مفتعلة لأسباب تتعلق برؤية محمد بن سلمان وليست بسبب العلاقة مع إيران؛ لأن الإمارات وعمان والكويت لها من العلاقات مع طهران أقوى بكثير من تلك التي تربط الدوحة بطهران.

كذلك هناك ما يجمع ولي العهد الجديد محمد بن سلمان بمحمد بن زايد في رؤية مشتركة تعبر عن التطلعات المستقبلية للطرفين، لاسيما فيما يتعلق بتبني الإسلام السياسي المتماشي مع الرؤية الأمريكية، واجهاض الثورات العربية والتطبيع مع إسرائيل، فضلاً عن ذلك، فإن محمد بن سلمان منذ أن تولى والده عرش المملكة وهو يسير في طريق تثبيت اعتماد أوراقه كشخص بارز وفعال في مستقبل المملكة العربية السعودية، لاسيما بعد أن حظي بمباركة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أثر اللقاء الذي جمع بينهما في البيت الأبيض.

تعكس عملية التغيير المستمرة في البيت السياسي السعودي حالة الصراع على السلطة داخل الأسرة الحاكمة، لاسيما مع تضاعف تطلعات ولي العهد الجديد وتزايد التوقعات التي تشير إلى توليه عرش المملكة بعد والده؛ الأمر الذي ينذر بتداعيات داخلية وخارجية على المملكة العربية؛ خصوصاً وأن الرجل "محمد بن سلمان" يوصف بأنه ليس رجل سلام، وليس رجل دولة ذكي، وهو مهندس التدخل السعودي في اليمن ومن داعمي زيادة النفوذ السعودي العسكري في المنطقة؛ لذلك يتوقع له أن يدير البلاد بقضة حديدية.

وقد يساهم هذا التغيير السياسي في تعقيد واستمرار الأزمة الخليجية، لاسيما بعد الإطاحة بأحد أكثر الاصوات اعتدلاً، التي كانت تطالب بحلحلة الأزمة مع قطر وهو ولي العهد المقال "محمد بن نايف"، وصعود نجم الشاب محمد بن سلمان، الذي لا يتمتع بعلاقة جيدة مع القطريين.

تنصيب بن سلمان وزيادة تطلعاته السياسية في المنطقة قد يكون لها انعكاسيين مختلفين على الصعيد الخارجي، الأول: هو استمرار لتمتين العلاقة مع واشنطن وكسب ثقتها في خطوات المملكة العربية على الصعيدين الإقليمي والعربي لدعم مواقفها بشكل علني، لاسيما في حضرة الرئيس ترامب. أما الثاني: فهو استمرار للصراع الإقليمي الطائفي في المنطقة بين السعودية وإيران، لاسيما وأن محمد بن سلمان أعلن عن نواياه ومواقفه السياسية الإقليمية بشكل مسبق، وأعلن عن نقل المعركة إلى العمق الإيراني.

ومع تزايد الصراع في المنطقة، واستمرار الازمة مع قطر قد يخسر ولي العهد الجديد الحليف التركي نتيجة لمواقف أنقرة الأخيرة مع الدوحة، فضلاً عن ذلك، فإن اندفاعه المفرط وثقته بالدعم الأمريكي، قد تتماهي المملكة بعلاقاتها السياسية والاقتصادية مع القارة الأوروبية وتتناسى دورها في الوقت الحالي، وستحاول التركيز على سياسة التحالفات والمحاور الإقليمية في محاولة منها لقيادة المحور "العربي والإسلامي" السني، فضلاً عن تشديد تحالفها مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية. لكن مع ذلك، ستبقى هذه المؤشرات والانعكاسات في خانة التحليل السياسي وقد تخضع لعوامل أخرى كفيلة بتغيرها سلباً أو إيجاباً.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2017
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0