العراق في الدستور الدائم لعام ٢٠٠٥ دولة اتحادية ذات نظام برلماني، وبالتالي فان الاتحاد المشار اليه هو اتحاد مكونات وليس اتحاد كيانات؛ اي ان العراق لم يكن مقسما ومن ثم اتحد تحت خيمة الدستور.. وحتى الوضع الخاص الذي تمتعت به كردستان منذ عام ١٩٩١ لغاية ٢٠٠٣ لم يكن بسبب عوامل داخلية بل كان تحت مظلة وحماية دولية وأمريكية بالذات.

واذا كان حلم الدولة الكردية وكردستان الكبرى ما زال يراود الأكراد منذ اكثر من مئة عام مضن، فهل حان الوقت لإعلان هذه الدولة الان؟ وهل الظروف الإقليمية تسمح بإقامة هذه الدولة؟ وهل تمتلك كردستان مقومات دولة قابلة للعيش والاستمرار وسط محيط مليء بالتناقضات والصراعات الدولية والاقليمية؟ وهل استغلال الأكراد لظروف دخول داعش سيكون مبررا وفرصة ذهبية لإعلان دولتهم؟ وهل ستكون الكيانات الهجينة مثل اسرائيل وبعض امارات الخليج بوقوفها وراء محاولات الأكراد للانفصال عن العراق ضمانة لهم امام التحديات التالية:

المستوى الاقليمي والدولي:

١. اتفاق ايران وتركيا على معارضة اجراء استفتاء الانفصال، فكيف الحال بإعلان دولة.

٢. رفض او تحفظ معظم الدول التي لجأ اليها الاقليم لدعم موقفه في الاستفتاء ومنها الولايات المتحدة.

٣. ترحيب اسرائيلي يثير الكثير من التحفظات.

وبالتالي لا يمكن اعلان دولة دون تحقيق الاعتراف الدولي بوجودها.. وهذه مسيرة يجب ان يسير فيها الأكراد على مراحل زمنية طويلة وليس بإجراء استفتاء "استقلال" رفضت حتى الامم المتحدة التعاون معهم في اجراءه، وهذا يعطي مؤشرات بان الاستفتاء سيكون اجراء داخليا ليس له تأثير خارجي.

المستوى الوطني:

من الغريب ان يسير اقليم كردستان الذي هو جزء من العراق بإجراءات انفصالية دون التعاون او العودة الى الحكومة الاتحادية خصوصا وان هناك متعلقات كبيرة وكثيرة بين الطرفين، فموضوع المناطق المتنازع عليها لم يحل او توضع له أسس سليمة تكفل سيادة لغة الحوار بدلا عن قرقعة السلاح والتي تستعد كل الأطراف العرب والتركمان من جهة والأكراد من جهة اخرى للولوج في معارك دفاعا عن حقوقهم.. فكل طرف يعتقد انه صاحب حق وحقوقه لا تنتزع الا بالقوة.

إذن كردستان المنهكة اقتصاديا لن تستطيع الدخول في حرب او صراع مع الحكومة الاتحادية او مع الفصائل والتشكيلات المسلحة من التركمان وعرب كركوك اذا لم تحل مسألة الحدود والقضايا المتعلقة مع المركز، وهذا لن يتم الا في اطار من التفاوض البناء والمثمر الذي يضمن الانفصال بسلام مع حفظ حقوق كافة المكونات وتعويض المتضررين وليس بإجراءات تعسفية ومن طرف واحد يلجأ اليها الاقليم مستغلا ظروف الحرب على داعش.

ثانيا الحقائق الجغرافية تقف هي الاخرى بالضد من مشروع الاحزاب الكردية، فقد تكون هي الاخرى كفيلة بإسقاط الدول، وللإقليم مثل قريب يحتذى به وهو ما جرى لقطر من حصار جيرانها وهي التي تمتلك منفذا بحريا، فكيف الحال بالإقليم الذي لا يمتلك اي منفذ بحري.. سوى حدود مع دول ترفض بمجموعها اقامة الكيان الكردي او انفصاله عن العراق.

المستوى الداخلي:

وهو ما يتعلق بالإقليم نفسه والصراعات الحزبية التي تعصف بين أحزابه بل وانقسام الإدارات فيه بين مركزين السليمانية واربيل.. لذا فان قرار الاستفتاء على ما يبدو هو هروب القادة الأكراد بمشاكلهم خطوات الى الامام مع تعطل برلمان الاقليم ومنع رئيسه من دخول اربيل واختلاف مواقف الكتل الكردستانية في بغداد والتراشق الاعلامي الداخلي، كلها قد تكون اسباب دفعت وعجلت بالموافقة السياسية على الاستفتاء، خصوصا بعد انتهاء شماعة محاربة داعش التي كانت القوى الكردستانية تحشد من خلالها الشارع الكردي وتبعده عن الواقع السياسي المتعثر.

أخيرا، نحن لا ننكر للشعب الكردي حقه في تقرير المصير لكن على ان لا يكون على حساب الإضرار بالعراق ومصالح شعبه.. واذا كان من خيار امام الاقليم للانفصال فانه لن يكون بخطوات انفرادية وباستفتاء معلوم النتيجة مسبقا، بل بالجلوس الى طاولة النقاش والتفاهم مع الحكومة المركزية والتنسيق المشترك في كل خطوة.

* جواد العطار، برلماني سابق وعضو ملتقى النبأ للحوار

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
7