الكثيرون كتبوا عن الفيدرالية في العراق وأُتخمت المكتبة الصحفية والثقافية بهذا الصدد حيث تم التركيز بشكل رئيس على ايجابيات وسلبيات الاقاليم ودرجة ملائمتها للوضع العراقي، لذلك وجدتُ من الافضل الاتجاه نحو طرح القضية عن طريق تحليل مواقف واتجاهات الاطراف المحلية والاقليمية من ملف الفيدرالية، وكلٌ على حدة، وهو ما يمكن ان نطلق عليه بـ(تحليل البيئة السياسية) التي تحيط بفكرة الفيدرالية العراقية وبصورة اكثر عمقا لكي يخرج القارئ باستنتاجه الشخصي حول امكانية تطبيق الفيدرالية في العراق بحسب رؤيته ومرجعيته الخاصة ووفقا للمعطيات التي تقدمها هذه الملفات ومدى الترابط بين ملف وآخر.

وقبل الدخول في طرح المواقف أو الملفات أود بيان أهم السيناريوهات المطروحة حاليا للفيدراليات العراقية هي كالآتي: -سيناريو الاقاليم الثلاثة (شيعي، سني، كردي).. سيناريو الـ(15) اقليم أي تحول كل محافظة الى اقليم.. سيناريو الاقاليم الثلاثية أو الرباعية مثل (اقليم الجنوب) أو (اقليم الوسط)...

وكثيرة هي الملفات التي تحيط بتلك السيناريوهات ولكن سنركز على ثلاثة منها وهي كل من: (الملف الكردي، الملف الشيعي، الملف الاقليمي والدولي) والسبب في ذلك هو عدم وضوح الرؤية والضبابية الكبيرة التي تكتف مواقف هذه الاطراف تجاه الفيدرالية على عكس ما يتصوره البعض.

وليكن الملف الاول الذي نبتدئ به هو (الموقف الحقيقي للكرد من تطبيق الفيدرالية).

• هل الكرد مع الفيدرالية؟!

قد يثير هذا التساؤل استغراب كبير بالنسبة للكثيرين، حيث ان الملف الكردي يحمل خطاب واضح جدا في تأييده لمشروع الفيدرالية في العراق، وواقع الحال يشير الى ذلك "ظاهريا" باعتبار الكرد هم اول من طبق هذا المشروع بشكل عملي، فلا شك ولا ريب أن الملف الكردي يتعامل بإيجابية كبيرة مع الفيدرالية حسب ما هو معلن... ولكن هل هذه فعلا الحقيقة؟

ومن أجل توضيح اللبس والتناقض الذي قد يبدو في الطرح نعيد الى الاذهان مصطلح كان معروف ومنتشر في العراق وهو مصطلح (الحكم الذاتي) للأكراد، فالنظام البعثي قد منح الاكراد حكم ذاتي في ظل جمهورية العراق وكانت كردستان تتعامل مع النظام آنذاك كشبه دولة مجاورة كما يحدث اليوم.

ولذلك فأن ما حدث بعد عام 2003 من تحويل جمهورية العراق الى (جمهورية العراق الاتحادية) كان احد اسبابه الرئيسة هو ايجاد مخرج آخر اكثر ملائمة وقانونية لوضع الكرد وبما يتناسب مع وضع العراق الجديد، ومن ذلك نفهم ان هدف الكرد من الدفاع عن النظام الفيدرالي هو لتأمين وضعهم الاقليمي وكذلك صد أي توجهات مستقبلية تحاول تغيير الدستور العراقي وتحويل النظام من اتحادي الى مركزي، وإلا فمن جانب آخر فالكرد لا يدعمون اطلاقا أي تحول فيدرالي على نطاق باقي المحافظات الـ15.. وهنا يرد التساؤل الاتي: ما الدليل على ذلك؟، ولماذا السياسة الكردية غير المعلنة هي ضد تشكيل اقاليم في قبال اقليم كردستان؟ والاجابة على ذلك تأتي بكلمة واحدة فقط: (المصلحة السياسية).

فيجب ان ندرك جيدا ان لا مبادئ في السياسة وان المصلحة والمكتسبات هي الاساس في التعامل مع الخصم، وعلى أساس ذلك يجب ان ندرك ايضا ان الخطاب السياسي المعلن شيء والاهداف التي تقف وراء ذلك الخطاب شيء آخر، وأن أي تحليل سليم للمواقف والاتجاهات السياسية المضمرة يجب ان ينطلق من هذه القاعدة.

فدفاع الكرد عن المادة الدستورية التي تقول ان العراق جمهورية اتحادية "فيدرالية" لا يعني انهم سيدعمون تشكيل فيدراليات أخرى داخل العراق بل على العكس سيقفون بقوة ضد أي تحرك في هذا الاتجاه بكل ما يمتلكونه من نفوذ وقوة في المركز.

أما الدليل على ذلك ووفقا لقاعدة (المصلحة السياسية) فيمكن تلخصيه في النقاط التالية:

1- نظام الاقاليم سيؤدي الى توزيع عادل للثروة بسبب الاحصاءات السكانية التي سوف تجريها الاقاليم الجديدة،بعد ان نجح الكرد في الفترة الماضية بمنع اجراء تعداد سكاني للعراق، لأن هذا بدوره سوف يؤدي الى خسارة اقليم كردستان للمليارات كونه اليوم يستلم اكثر من حصته الحقيقية بزيادة 7% من موازنة العراق.

2- تأسيس الاقاليم سوف يخلق اكثر من منافس سياسي قوي للكرد بعد ان انفردوا بكونهم اللاعب الاكثر صلابة وقوة في الساحة السياسية.

3- الاقاليم ستخلق اكثر من منافس اقتصادي واستثماري قوي.

4- خلق اكثر من منافس عسكري قوي.

5- ستؤدي الاقلمة الى ضعف سلطة وصلاحيات الاكراد في المركز، وخاصة صلاحيات الوزراء الكرد بسبب وجود وزراء للاقاليم الجديدة كحال وزراء اقليم كردستان اليوم الذين هم خارج سلطة الحكومة المركزية.، أي سوف تتساوى كفة الصلاحيات بين القوى الثلاث. سواء على مستوى المركز او الاقاليم.

6- الاقاليم تؤدي الى بناء كيانات وعواصم سياسية واقتصادية جديدة تسحب البساط من اربيل التي تعد الان مركزا لصنع القرار منافس لبغداد، والاخطر قد يتشكل اقليم كركوك أو اقليم ثلاثي يتكون من كركوك وصلاح الدين وديالى وبرعاية سعودية تركية ايرانية، وهو ما لا يسمح به الكرد.

وبعبارة موجزة يمكن القول (أن الكرد بحكمهم الذاتي واستقلالهم التام عن العراق هم مع الفيدرالية كنص دستوري يحمي هذا الاستقلال ومصالحهم فقط، وفي نفس الوقت هم ضد تطبيقه في باقي ارجاء العراق، وسوف يستخدمون كل نفوذهم بهذا الاتجاه، لتعارضه مع المكتسبات الكبيرة لكردستان في ظل النظام القائم حاليا).

• تناقض الموقف الشيعي من الفيدرالية

علاقة الملف الشيعي بالفيدرالية تحمل ثلاث سمات رئيسة هي (التباين الحاد، التناقض، التعقيد)، فعلى عكس الموقف السني الذي يحمل شبه اجماع على رفض فكرة الاقاليم بسبب عدم وجود مقومات اقتصادية لتشكيل اقاليم سنية، نلاحظ ان الموقف الشيعي متباين الى درجة كبيرة ومشتت الى احتمالات مختلفة جدا يصاحبها تغيير مفاجئ ومتناقض في مواقف بعض التيارات من الفيدرالية بشكل غريب ومريب مما يؤدي الى تعقيد الرأي العام الشيعي، يضاف الى ذلك التركة الكبيرة من القمع والتهميش التي مورست بحق الانسان الشيعي في الماضي والتي لا يزال يستشعرها حتى اليوم مما زاد من تعقيد موقفه ورؤيته المتناقضة للفيدرالية سواء بالسلب أو الايجاب في نفس الوقت.

وهنا نحدد رؤى ومواقف الشيعة من الفيدرالية في العراق:

1- موقف متطرف بالضد من الفيدرالية في العراق، بل يقف بالضد من كل اشكال اللامركزية في الحكم، حتى وصل الامر الى رفض أي صلاحيات قانونية قد منحت او سوف تمنح لمجالس المحافظات.

2- اتجاه يقف ضد الفيدرالية ولكنه يدعو الى منح صلاحيات لمجالس المحافظات ونقل صلاحيات بعض الوزارات.

3- موقف يدعم فيدرالية المحافظات الـ15، ويرفض اي شكل اخر من اشكال الفيدرالية.

4- تيار آخر يدعم تشكيل الاقاليم من ثلاث او اربع محافظات.

5- تيار يدعو الى تشكيل اقليم المحافظات التسع (الوسط والجنوب) ويستثني العاصمة بغداد.

6- اتجاه يدعو الى تشكيل الاقليم الشيعي من سامراء الى البصرة.

ولكن هذا التباين ليس هو السبب الوحيد والرئيس في تعقيد الموقف، بل هنالك اسباب أخرى ومن اهمها:

1- موقف المرجعية الدينية المحايد من فكرة الاقاليم، حيث تركت القرار في ذلك للجمهور وفق آليات الدستور وضوابط الاستفتاء سواء في التأييد او الرفض.

2- استغلال القوى السياسية لحياد المرجعية بالترويج الى فكرة (رفض المؤسسة الدينية للفيدرالية)، وفي نفس الوقت روجت قوى اخرى الى ان (المرجعية تدعم الفيدرالية).

3- انخفاض مستوى وعي الرأي العام الشيعي في الامور السياسية، بسبب الامية وواقع التعليم والفقر وغيرها من معاناة البلد، وبالتالي انحسار دور الرأي العام في التأثير على مصادر القرار والتي بات يتحكم بها شريحة ضيقة جدا من الطبقة السياسية.

4- الانقلاب المفاجئ في مواقف قوى سياسية شيعية كبيرة كانت تدعوا الى الفيدرالية وبات اليوم موقفها رافضا ضمنيا.

5- النفاق السياسي الواضح الذي تمارسه قوى اخرى بشأن الفيدرالية حيث تقف مع الضغوط الشعبية التي تدعوا الى تشكيل الاقاليم وتوزيع الثروات بشكل عادل، وفي نفس الوقت يعلن خطابها السياسي انه مع المركزية في الحكم.

6- حالة التناقض في المواقف بالنسبة للغالبية العظمى من الجماهير الشيعية بسبب شعورها بالحرمان والظلم وهدر ثرواتها من جهة، وعدم قدرتها على تأييد أو رفض فكرة الفيدرالية من جهة اخرى بسبب النقاط الخمس المذكورة آنفا.

كل هذه العوامل وغيرها تجعلنا نصف الموقف الشيعي من الفيدرالية بأنه (موقف في غاية التعقيد).

• اختلاف الاطروحات حول الموقف الاقليمي والعالمي

الاشكال الاكبر الذي يُطرح حول ملف الفيدرالية في العراق هو عدم القدرة على استنتاج الموقف الدولي الحقيقي تجاه هذا الملف، سواء على مستوى دول الجوار الاقليمي او على مستوى الدول العظمى.

لذا فهنالك رأيان لتحليل هذا الموقف وهما:-

الرأي الاولى: ان الموقف الدولي يدعم تشكيل الاقاليم في العراق

شريحة واسعة من المحللين تدّعي أن دول الجوار الاقليمي وخاصة الكبرى منها تسعى بجدية لدعم تطبيق نظام الاقاليم في العراق، والسبب في ذلك واضح ومنطقي، وهو لتصبح هذه الاقاليم تحت سيطرة ونفوذ مطلق لتلك الدول الكبرى، وبالتالي تتحول الفيدراليات الى داعم لوجستي واقتصادي وعسكري يخدم مصالحها.

اما الحكومات الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة فالأسباب التي تقف وراء دعمها لتطبيق الفيدرالية هي لتفتيت الشرق الاوسط واضعافه في مواجهة اسرائيل، واشعال حروب طائفية مدمرة بين الاقاليم مما يسمح للتدخل الامريكي في المنطقة بشكل اكبر وبصفة شرعية.

الرأي الثانية: ان الموقف الدولي يرفض تشكيل الاقاليم في العراق

الغريب جدا أن مؤيدي هذا الرأي يستندون تقريبا الى نفس الاسباب التي يذكرها اصحاب الرأي الاول وهو ما يزيد من صعوبة فهم الموقف الدولي اتجاه تشكيل الاقاليم في العراق.

حيث يشيرون الى ان دول الجوار الكبرى لا تدعم تشكيل الاقاليم وتسعى لبقاء الوضع على ماهو عليه في العراق من صراعات وعدم استقرار لكي يسمح كل طرف بتدخل هذه الدول لتحمي انصارها وحلفائها في الداخل وكما هو حاصل اليوم، في حين ان نظام الاقاليم سوف يسهم بنوع من الاستقرار نتيجة توزيع الثروات والسلطات بشكل واضح وعادل بين القوى المتنازعة على الكعكة العراقية، وبالتالي فان هكذا نوع من التفاهم والاستقرار سوف لن يدع لدول الجوار ذريعة للتدخل بشكل كبير في الشأن العراقي كما يحصل اليوم.

ونفس الامر ينطبق على موقف الولايات المتحدة الامريكية حيث ان الوضع الحالي يخدم سياستها بشكل اكبر من الاقاليم المستقلة اداريا وماليا، واهم الاسباب ذلك هو الدور الذي تلعبه السفارة الامريكية في بغداد والذي من خلاله تسيطر على صنع القرار في المركز، وقد يصعب تحقيق ذلك في حال وجود مراكز متعددة بعد تشكيل الاقاليم، كما ان الصراعات الدائمة بين القوى الثلاث (شيعة، سنة، كرد) عل سلطة المركز هي اكبر ذريعة لتكون الادارة الامريكية الراعي والعراب الذي يفصل في تلك الصراعات. في حين ان حدة هذا الصراع سوف تضمحل اذا ما تعددت المراكز بعد تشكيل الاقاليم بالتالي يضمحل دور الولايات المتحدة.

لهذه الاسباب وغيرها الكثير نلاحظ الانقسام حول تحليل الموقف الحقيقي لدول الجوار الاقليمي والعالم الغربي من تطبيق الفيدرالية في العراق، وهذا يتطلب دراسة معمقة جدا لمعرفة هل ان النظام الاتحادي يخدم فعلا مصالح هذه الدول أم أن العكس هو الصحيح؟

إن كل ملف من تلك الملفات الثلاثة وغيرها التي ربما لم تُذكر في المقال هي بحاجة الى تفصيل اكبر وبيان لوجهات النظر المختلفة حولها، ولكن قد يسهم هذا المقال في إعطاء فهم من زاوية معينة لواقع الحال وللبيئة السياسية المحيطة بمشروع الفيدرالية، ولربما يكون بالنسبة للبعض الآخر ملخص لمشروع بحث أو كتاب في المستقبل يطرح هذه الملفات وعلاقتها بالفيدرالية على شكل مباحث تفصيلية وبدقة اكبر، ففي نهاية الامر علينا ان لا ننظر الى قضية الاقاليم بشكل سطحي كما هو متداول حاليا في الشارع، فتخضع آرائنا تبعا لما يروجه الاعلام الذي هو في حقيقته جزء من الخطاب الذي يخدم مصالح ضيقة للطبقة السياسية، فالقضية بحاجة الى نفاذ بصيرة ودراسات تحليلية كثيرة للوصول الى نتائج واقعية تنتشلنا من الوضع المخيف الذي نعيشه اليوم.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0