لم يكن مستغربا ان تحظى زيارة امير قطر الشاب "تميم بن حمد آل ثاني" الى الولايات المتحدة الامريكية للقاء الرئيس الامريكي "بارك اوباما"، باهتمام وسائل الاعلام العربية والغربية، ليس لأنها جاءت في اطار الزيارة الرسمية الاولى له، او لأنها جاءت في وقت يخوض فيه المجتمع الدولي صراعا عسكريا وفكريا ضد التنظيمات المتطرفة (وبالأخص تنظيم داعش)، فحسب، بل جاءت لتثير العديد من المسائل الحساسة والاسئلة المحيرة التي تتعلق باستراتيجية قطر وسياستها الخارجية، اضافة الى موقف الولايات المتحدة الامريكية من قطر، سيما وان الرئيس الامريكي اشار الى وجود "شراكة متينة" بين البلدين، على صعيد مكافحة الارهاب والتطرف، اضافة الى تعزيز علاقتهما المشتركة في الجانب السياسي والاقتصادي والعسكري.

وغالبا ما توجه الاتهامات الى قطر باعتبارها الداعم الرئيسي لعدد من المنظمات الارهابية (خصوصا تلك المدرجة على لائحة المنظمات والحركات الارهابية لدى الولايات المتحدة الامريكية)، وأكد الكونجرس في خطاب أرسله للإدارة الأمريكية ونشرته صحيفة "واشنطن فري بايكون"، أن ما ترسله واشنطن من مليارات الدولارات وأطنان الأسلحة للدوحة، للحفاظ عليها كحليف استراتيجي إقليمي، يساعد الأخيرة في تقديم الدعم للمنظمات الإرهابية وحلفائها، فيما أكد النائب "دوج لامبورن" عضو لجنة الخدمات المسلحة بالكونجرس، أن "قطر هي أكثر ملاذ آمن للإرهابيين وقادة الميليشيات بالعالم، وهو ما يتطلب من المسئولين الأمريكيين إعادة النظر في التحالف العسكري الأمريكي معها"، ولم تقتصر هذه الدعوات على الكونغرس الامريكي فقط، فقد بينت تسريبات "ويكليكس" لعام 2009 وثيقة صادرة عن الخارجية الأمريكية في ديسمبر 2009 وصفت قطر بأنها "أسوأ مشارك في الشرق الأوسط في جهود مكافحة الإرهاب"، كما ان الحديث عن تمويل قطر لجماعات متطرفة في العراق وسوريا وليبيا وافغانستان وباكستان لا يخفى على احد، وهو كلام صدر عن مسؤولين في اجهزة استخبارات عالمية، ولم تقتصر التلميحات بدعم قطر للإرهاب من اطراف ودول غربية فحسب، بل من جهات عربية كثيرة منها العراق ومصر وحتى السعودية والامارات، اللتان عبرتا عن موقفهما بشكل ضمني، بعد القطيعة الدبلوماسية بينهما في العام الفائت.

قبل ايام من زيارة امير قطر للولايات المتحدة الامريكية، نشر مقال له في صحيفة "نيويورك تايمز" الامريكية، يتحدث فيه عن التزام قطر في مكافحة الارهاب والحلول المطلوبة لمعالجة التطرف، واشار فيه "نحن جزء لا يتجزأ من المنطقة، ونهتم بشكل كبير بأمنها واستقرارها، وقد انضممنا إلى التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا ضد الإرهاب، ومتحدون مع شركائنا في الخليج لمكافحة التطرف العنيف بكافة أشكاله"، واضاف "اعتقد أن المعركة ضد التطرف العنيف لن تنجح إلا إذا اقتنع سكان المنطقة بالالتزام بإنهاء الأنظمة الاستبدادية من أمثال بشار الأسد في سوريا، الذي يقود حرب إبادة جماعية ضد شعبه، لكن مسئولية القيام بذلك يجب ألا تتحملها الولايات المتحدة وحدها، وعلى الدول العربية أن تعمل معا لإيجاد حل سياسي في سورية"، الغريب في الامر، ان قطر التي تتحدث عن الانظمة المستبدة في العالم العربي والشرق الاوسط، والحليف المهم للولايات المتحدة الامريكية، والعضو في التحالف الدولي ضد تنظيم "داعش" هي نفسها من استضافت المباحثات بين حركة طالبان الارهابية والولايات المتحدة الأمريكية، والتي أسفرت في نهاية المطاف عن الإفراج عن الجندي الامريكي المحتجز لدى الحركة "بو بيرغدال"، مقابل إطلاق سراح خمسة من قادة معتقلي الحركة في "غوانتانامو"، والتي استوجبت شكر الرئيس الامريكي لدولة قطر وجهودها في "حماية أمن أمريكا القومي".

لقاء الرئيس الامريكي بأمير قطر جاء في ظل خلافات قوية بين الاخيرة ومصر، بعد ان انتقد قيام مصر بضرب ليبيا، فيما لم تتواني مصر باتهام قطر "بدعم الارهاب"، ولا يخفى على احد ان الولايات المتحدة الامريكية ومصر تعيشان اسوء فترة من العلاقات الدبلوماسية التي يمكن ان تجمعهما، اضافة الى توجه "السيسي" نحو وروسيا لتعزيز علاقة البلدين، حيث استقبل "بوتين" بحفاوة كبيرة في مصر، ويبدو ان ما جرى على "الاخوان المسلمين" والتي سببت الجفاء بين الولايات المتحدة الامريكية ومصر، والاخيرة وقطر، اضافة الى تركيا، ووحدت مصر مع السعودية (في ظل حكم الملك عبد الله) في الصف المقابل (بعد ان وترت العلاقة بين الولايات المتحدة الامريكية والسعودية)، لتعود من جديد وغير المعادلات، بعد ان دار الكلام حول تقارب محتمل بين الاخوان والملك السعودي الجديد.

ما نفهمه من قراءات سياسية قد تبدو غير منطقية، لكن الواقع شيء وما يدور خلف الكواليس شيء اخر، والذي يمكن ان يجمع الجميع، ويوحد هذه الصفوف او يفرقها هو "المصلحة"، فاذا عرفنا ان المصلحة العليا للدول (على مختلف اتجاهاتها) تقتضي ان يكون العدو صديق في مرحلة ما، او ان يتحول الحليف الرئيس الى ثانوي في مرحلة اخرى، فالمنطقي من وجه نظر هذه الدول ان تمضي مع مصالحها، ويبدو ان الولايات المتحدة في المرحلة القادمة ستعول على استخدام جهود قطر الدبلوماسية ووساطتها المرنة مع الجهات "الغامضة" في تسيير مصالحها في المنطقة، خصوصا وفق رؤية الرئيس الامريكي في "الصبر الاستراتيجي" وتكتيكه الذي يعتمد على "القيادة من الخلف"، فقطر رغم حجمها الصغير، وقلة عدد نفوسها، والانتقادات الكبيرة التي وجهت اليها، الا انها بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية حليف من نوع اخر، حليف يتمتع بمكانة مميزة في اداء الادوار "الغامضة" من خلف الكواليس، وهو دور قد لا تبرع به حتى الدول الكبرى، خصوصا وان مصالح الطرفين (قطر والولايات المتحدة) تقاربت في الآونة الاخيرة بشكل ملحوظ، بعد ان اصبحت هناك مقاربة جديدة فيما يتعلق بطرق مكافحة الارهاب، بدلا من الطرق القديمة او الكلاسيكية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0