هي علاقة جدلية ولدت توأماً مع ولادة الأوطان المتعددة في عالمنا، بين الانسان (المواطن) وبين وطنه ضمن حدود جغرافية رسمته أيدي البريطانيين والفرنسيين، و اصبح لهذا المواطن بلد خاص به، ولذاك المواطن بلدٌ آخر بمسمّيات متعددة، ولعدم وجود العلاقة العضوية والحقيقية بين هذا الوطن وبين المنظومة الفكرية والعقدية للمواطن، فانها بقيت سطحية تتقاذفها الديكتاتوريات المصنّعة استعمارياً، وكل من يصل الى قمة السلطة من ضابط عسكري أو حزب سياسي نراه يسرع الى الاعلان عن اختزاله الوطن في الشخص الواحد او الحزب الواحد، وانه الراعي والمحامي الأمين، ومن يريد الأمن والاستقرار والحياة الطبيعية في هذا الوطن ما عليه إلا أن يعلن الطاعة المطلقة لمن يحكم هذا الوطن، حتى وإن جرّه الى حروب كارثية او صراعات دموية لأن من دون ذلك سيكون مشكوكاً في وطنيته!

إن هبوب رياح "الديمقراطية" على بلادنا العربية (الاسلامية) بدءاً من العراق ثم امتدت نحو بلاد عربية اخرى فيما يُسمى بالربيع العربي، صاغ مفهوماً جديداً للوطن في عيون ابنائه، فالذين قضوا حبهم في هذه البلاد، بما فيها سوريا، إنما دفعوا ثمن المواجهة ضد عدو هدد اوطانهم واستقرارهم، بينما كانوا القتلى في وقت سابق يسقطون دفاعاً عن وطن جمال عبد الناصر، و وطن صدام حسين وهكذا...

وبقطع النظر عن الافرازات السلبية وبعض السقطات في الأداء بهذه التجربة او تلك في بلادنا، فان النتيجة الواحدة والمهمة، أن المواطن العربي بات بامكانه التحسس بموطئ قدمه على ارض يملكها ويعيش عليها وانه مسؤول عما يجري حوله، وله ارادة وقدرة على التأثير على الاحداث، بشكل أو بآخر.

ثم جاءت الهبّة الجماهيرية العارمة في العراق تحت عنوان "الحشد الشعبي" لمواجهة تمدد سريع وخطير لتنظيم داعش انطلاقاً من الموصل عام 2014، لتصوغ إطاراً جديداً للوطن يعيش فيه الجميع ضمن مفاهيم وقيم تجعل التضحية من أجله نوعاً من الجهاد الذي يتسابق عليه خيرة الشباب العراقي اليوم، فالذي يدفع الشاب لأن يترك زوجته وابنه الصغير، او ذاك الذي يهجر جامعته ومهنته وعائلته وحياته المرفهة، ويتجه نحو النار والموت، ليس إلا "وطن المقدسات" كما يفصح عن ذلك معظم المقاتلين الابطال – إن لم نقل جميعهم- في جبهات القتال مع عناصر داعش.

إن دماء هذا الشهيد والاطراف المقطعة لذاك المجاهد البطل، بينت لنا أن ثمة أشياء تستحق التضحية في هذا البلد، وأن هذه البرهة الزمنية الاستثنائية هي التي يجب ان يكون فيها المرء معطاءً اكثر منه أخاذاً – إن صحت العبارة- ، صحيح ما يقوله البعض: بأن العراقي تعب من العطاء بأمواله ودمائه واستقراره في سالف الزمان، والصحيح ايضاً؛ انه ضحى بكل ذلك من أجل راحة شخص واحد هو صدام، بينما اليوم فهو يضحي من اجل راحة شعب بكامله، مع ما لديه من مقدسات وهوية وانتماء.

وربما يكون جرحى الحشد الشعبي ممن فقدوا أطرافهم طيلة السنوات الثلاث من جهادهم ضد قوى التكفير والارهاب، خير من يبرهنوا على مكانة القيم والمبادئ التي ضحوا من اجلها، لذا لا نسمع من أحد منهم أنه يطالب العراق (الوطن والبلد) او العلم أو أي رمز آخر أو حتى جهة حكومية بأن تكافئه على تضحيته او تحل له مشاكله المعيشية، او ان توفر له سكناً مريحاً مع ماء وكهرباء لا تنقطع وسيارة و...الى آخر القائمة. بل العكس، نرى توشح هؤلاء بالعلم العراقي الذي قاتلوا تحته كرمز لوحدة هذا الشعب وترابه، فكيف بشخص لم يقدم أي طرف من بدنه او يصاب بجروح وهو حيّ يرزق بكامل صحته وقوته البدنية، ثم يمسك بالعلم العراقي مطالباً بأن يكون هذا العلم سلّماً للوصول الى ما يريد وحل مشكلته، وإلا فلا فائدة منه، ثم يمسك بالعلم ويرمي به جانباً أمام عدسة الكاميرا!.

هذه الحركة الغريبة والمثيرة للدهشة وامثالها مما نلاحظه من بعض الناس في العراق، تأتي متساوقة مع ما يقوم به المفسدون واللصوص ممن باعوا كل شيء في العراق للحصول على حفنة من الدولارات، فصاحب المنصب الحكومي الذي يفكر بامتيازاته ومصالحه على حساب الطلاب في مدارسهم والمرضى في مستشفياتهم والمجتمع والاقتصاد والحياة برمتها، في طريق واحد مع من يفكر بمصالحه وراحته الشخصية وهو في بيته المؤثث او داخل سيارته الفارهة، فالاثنين يشتركون في الروح الانانية والتضحية بالصالح العام لمصلحة خاصة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2