لكل ثورة بيانها الاول، وهو النص المؤسس لشرارات الانفجار. لكل ثورة نصها التأسيسي الاول، البوعزيزي هو النص الاول في الثورة التونسية. انه ايقونة الثورات التي تلته وعاش الجمهور الثائر احباطاتها.

وثورة سبارتاكوس لها نصها الاول، وثورات العبيد وثورات التاريخ الكبرى لاتنفصل عما عرف بالمانفيست او البيان الثوري الذي يبين ويوضح ويجلي.

ما يأتي بعد النصوص الاولى يكون عالة عليها، فهو الاصل في التكوين وفي الابتكار وفي القواعد والتشكيل.

خمسون عاما، هي كل رصيدي في مشوار الحياة، ولا زلت اذكر مواكب العزاء في تلك الطفولة البعيدة، وكانها يوم امس او ربما الاسبوع الماضي.

كان الاطفال ياتون في نهايات مواكب اللطم والزنجيل. وكنت ارتدي دشداشتي السوداء، لها فتحتان من الظهر، تتفنن امي وشغفها بترسيم خيوطها وخطوطها.

كانت عينا ابي ترقبني في الموكب، وهو يجالس اصحابه ورفاق عمره على دكة لاحد المحلات في السوق حيث تمر تلك المواكب.

لايمكن ان تكتمل ملامح اللوحة لاي موكب دون اطفال فيه. انها فرصة ايضا لاستذكار اولئك الاطفال الذين اغتيلت طفولتهم في نصف نهار على ارض كربلاء، او تم نحرهم بعد استراحة للموت من اجل ثمن بخس.

كنت واخي الذي يصغرني بعام واحد وفي مجالس النساء، ايقونة للنواح والعويل. كان علينا ان نكون اولاد مسلم بن عقيل، وكانت امي ترمقنا بعيونها الدامعة ويدها تلطم على صدرها، انه محض استذكار، لكن ما أفجع ان تفقد ام ولدها.

تلك الذكريات هي نصوص التشكيل الاولى التي ستساهم في تكوين ورسم ملامح الكثير من وعيي وشخصيتي.

ما الفرق بين ثورة واخرى؟

الشعار والجمهور. وماذا عن النتائج هل تكون ضمن الفروق؟

جميع الثورات اكلت ابناءها، وكأن ذلك كان حتمية تاريخية فيما تعلق بثورات الازمان الماضية، لكنه أكل حتى حين. فالثمرات لاتصبح يانعة ويحين قطافها الا بعد انطفاء الشرارات الاولى، والاحباطات الاولى.

الشعار في الثورات هو ملامح الطريق الذي سيسير عليه جمهورها، وهو جمهور قد لايفهم معنى الكثير من تلك الشعارات، وقد يكون منساقا خلف قادتها الذين لهم مطامحهم الشخصية الخاصة. القادة هم النخبة في السياسة او الثقافة. والجمهور من مشارب متنوعة.

نادرة تلك الثورات التي كان القادة فيها هم الجمهور في الوقت نفسه... ثورة الحسين هي تلك الندرة التي اتحدث عنها، فهو واهل بيته كانوا قادة الثورة وهم جمهورها وحطب نيرانها واشتعالها.

جميع الثورات في التاريخ لايعيد الثائرون او من سار على دربهم او من يتذكرها العيش من جديد فيها، وحدها ثورة الحسين يعيشها الشيعة في تاريخهم، وهم يكررون هذا العيش في محرم من كل عام، فالشرارة رغم طول المدة لم تنطفيء، ولم تخمد نيران الاشتعال الاولى.

لماذا يخشى الطغاة هذا المعيش في الثورة واستحضارها؟

انهم يخشون الشعار والجمهور... الشعار هو العلامة وهو الرمز، وهو الكلمة الالهية او القانون الكلي للكون، في التأسيس الفلسفي الاول.

شعار الحسين هو الانا الحرة لابي الاحرار الثائرين، والجمهور في امتداد الزمان والمكان لايعرفون غبر هذه الابوة التي هي رمز وعلامة وايقونة كل ثوراتهم التي يبحثون من خلالها عن حرياتهم.

كل الطغاة حاربوا شعار الحسين وجمهوره، لانهم كانوا يخشون هذا الهتاف الصاعد قوس السماء او قوس الله، (يا أبا الاحرار اسمع صرختي).

وصرختهم تنادي الحسين الذي نادى ربه في ظهيرة ذاك اليوم، وهو يقول لمن سيكونوا قاتليه (إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولّى الصالحين)، وصرختهم هي نفسها صرخة الحسين في ظهيرة ذلك اليوم القائظ من صيف الصحراء، رسم على الشفاه الوان السغب والعطش القاتل، لكن جمهور الحسين يرددون خلفه (لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفرّ فرار العبيد).

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0