هي الحياة تتقلب بأهلها تقلبات لا تخطر على بال أحد، وهذه التقلبات تتطلب تحول في الأدوار الحياتية لكي تمضي الحياة وتستمر، فما كان بالأمس محمياً أصبح اليوم حامياً وذائداً وقائداً لنساء واطفال ما اعتادوا يوماً على ان يوضعوا بهذا المكان او يعاملوا بهذه الطريقة.

هذا الدور ادته السيدة زينب عليها السلام بعد وضعت الطف اوزارها وحدث الذي حدث مع الحماة، يالها من مسؤولية ثقيلة ألقيت على هذه المرأة فكانت على قدر عال من الالتزام والرعاية والاهتمام كيف لا وهي عقيلة الطالبين وسليلة البيت الهاشمي.

في حياتنا العادية حين أحدنا يريد الخروج في سفرة برفقة عائلته يعد الطعام ويحضر الملابس وجميع المستلزمات التي تجعل من السفرة مريحة وربما يحتاج الامر الى وقت وجهد كبيرين، فما بالك بسيدة قضى اخوانها قتلاً في معركة تكاد تكون من ابشع المعارك في التأريخ واكثر الوقائع التي ينعدم فيها التكافؤ، فبها انتكس الضمير الانساني كما يقول الكاتب عباس محمود العقاد، قامت هذه السيدة بقيادة الركب وحمته من الابتزاز والاعتداء كما يفعل الاعراب مع النساء بعد مقتل الاولياء.

حين وضعت السيدة زينب في هذا الموقف المعقد لم نقل الصعب لأنها بنت بيت الرسالة، فهذا البيت اهلاً للتصدي للمسؤولية في كل جوانب الحياة، ظهر معدنها الثمين وهكذا هي قيمة المعادن يتجلى لمعانها يتجلى حين تطرق وتعرض للضغط لذا كانت الإشارة اليها على انها نوعية خاصة من النّاس وهم المجاهدين الصابرين الصامدين الثابتين.

هذه السيدة الممتحنة بنت الزهراء الممتحنة وضعت تحت محك الازمات والمحن فكانت نعم القائد العالم والحامي الامين وهذا ديدن الاشراف في الشدائد التي تميز الجوهر عن الحجر، فالقيادة الماهرة القادرة والناجحة أكثر ما تجلت في سلوك هذه السيدة العظيمة في أوقات المحن والأزمات وتحت صرير أنياب النكبات والمآسي، لتبقى تقدم الى العالم كنموذج للقيادة الحكيمة الصابرة.

واجهت السيدة زينب عليها السلام في موقع القيادة اخطار وتحديات كثيرة لعل ابرزها: هي ديمومة الثورة التي استشهد من اجلها فأصبحت صوتها الصادح ورفضها المبايعة وحتى الظهور بموقف الذليل في مجلس اللعين بن زياد ولخطبتها العظيمة صدى يرن في اذان العالم وفي اذان الاحرار ما بقيت الدنيا واستمرت فهي القائلة:

(ثُمَّ كِدْ كَيْدَكَ وَاجْهَدْ جُهْدَكَ! فَوَ الَّذِي شَرَّفَنَا بِالْوَحْيِ وَالْكِتَابِ وَالنُّبُوَّةِ وَالِانْتِجَابِ لَا تُدْرِكُ أَمَدَنَا وَلَا تَبْلُغُ غَايَتَنَا. وَلَا تَمْحُو ذِكْرَنَا وَلَا تَرْحَضُ عَنْكَ عَارُنَا. وَهَلْ رَأْيُكَ إِلَّا فَنَدٌ وَأَيَّامُكَ إِلَّا عَدَدٌ وَجَمْعُكَ إِلَّا بَدَدٌ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي أَلَا لُعِنَ الظَّالِمُ الْعَادِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي حَكَمَ لِأَوْلِيَائِهِ بِالسَّعَادَةِ وَخَتَمَ لِأَوْصِيَائِهِ بِبُلُوغِ الْإِرَادَةِ نَقَلَهُمْ إِلَى الرَّحْمَةِ وَالرَّأْفَةِ وَالرِّضْوَانِ وَالْمَغْفِرَةِ وَلَمْ يَشْقَ بِهِمْ غَيْرُكَ وَلَا ابْتَلَى بِهِمْ سِوَاكَ وَنَسْأَلُهُ أَنْ يُكْمِلَ لَهُمُ الْأَجْرَ وَيُجْزِلَ لَهُمُ الثَّوَابَ وَالذُّخْرَ وَنَسْأَلُهُ حُسْنَ الْخِلَافَةِ وَجَمِيلَ الْإِنَابَةِ إِنَّهُ رَحِيمٌ وَدُودٌ).

الدور القيادي الثاني للسيدة زينب هو رعاية الهاشميات طوال رحلة الشموخ وليس السبي وحمايتهن من وحشية ابناء القصر وجلاوزة الحكام الاموين، فكما هو معروف لدى الاعراب بعد مقتل الاولياء تسبى النساء لتواجه انواع الاعتداءات والتعنيف واللفظي والجسدي، لكن العقيلة ابت ان تهان او يهان من معها في الركب والبست يزيد واتباعه ثوب الاحتقار والانتقاص.

اما الدور الثالث فهو تفنيد الخطاب الاموي والتقليل من اهمية وبذلك تمكنت من تغيير بوصلة فهم الناس ونظرتهم الى معركة عاشوراء، فبعد ان كان الكثير من الناس في الخارج ينظرون الى الحسين ومن معه على انهم خوارج صار ينتظر إليهم بعد وصول السيدة زينب ومن معها من الركب الهاشمي الى كونهم مظلومين واصحاب قضية ومبدأ حاربوا من اجله واستشهدوا.

هذه الادوار القيادية الكبيرة التي ادتها السيدة الحوراء زينب عليها السلام جعلت منها تتصدر القياديات النسائية التي قل ان لم يكن انعدم مثيلها على مر العصور، فالسلام عليك سيدتي يوم ولدتي ويوم استشهدتي ويوم تبعثين حية.

اضف تعليق