التناقض والتوتر بين المصلحة الشخصية والمصلحة العامة احدى اهم المشكلات التي تواجه الانسان، فالغريزة الاعمق التي تحكم سلوك الانسان هي غريزة "حب الذات" التي تقرر ان المصلحة الشخصية مقدمة على ما عداها.

لكن الانسان لا يعيش وحده منفردا، وانما يعيش مع غيره من البشر في مجتمع واحد مع افراد اخرين. ولكل من هؤلاء الافراد مصلحته الشخصية ايضا. ومن هنا ينشأ التناقض بين المصالح الشخصية للأفراد.

كما ان العيش المشترك ينتج نوعا اخر من المصالح هو المصلحة العامة، وهي مصلحة المجموع. ومن هنا ينشأ النوع الثاني من التناقض وهو التناقض بين المصلحة الشخصية والمصلحة العامة.

ومن هنا تبرز الحاجة الى عقد اجتماعي يوفق بين المصالح الفردية فيما بينها اول، وما بين المصالح الفردية والمصلحة العامة ثانيا، ولكل فلسفة في الحياة ولكل فرد طريقته في حل التناقضين.

وللشخص الذي يختار طريق الشهادة اسلوب مميز في حل التناقض بنوعيه. ذلك هو التخلي المطلق عن المصلحة الشخصية، وذروتها الحياة نفسها، من اجل المصلحة العامة، فيقدم نفسه وحياته قربانا لهذه المصلحة العام، فيقتل شهيدا في سبيلها.

وهذا ما قام به الامام الحسين عليه السلام. فعلى المستوى الشخصي لم يكن الامام الحسين بحاجة الى شيء. فهو من كبار ابناء الصحابة، وشخصية اجتماعية وعلمية بارزة في المجتمع الاسلامي، ومن الطبقة الميسورة في المدينة المنورة، فضلا عن كونه حفيد النبي وابن خليفة والعضو البارز في أكبر قبائل العرب، قريش، والوجه الاكبر في أشرف عوائلها، بني هاشم. كان بمقدور الامام الحسين ان يقضي بقية عمره معززا مرفها كريما في المجتمع الإسلامي، لكنه لم ينظر الى الامر من زاويته الشخصية، وانما من الزاوية العامة، فسجل رؤيته على النحو التالي: "إن هذه الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل ألا ترون أن الحق لا يعمل به وأن الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء الله محقا فإني لا أرى الموت إلا سعادة ولا الحياة مع الظالمين إلا برما إن الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معايشهم فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون".

وبناءً عليه اتخذ موقفه الذي اوجزه بقوله: "واني ما خرجت أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً وإنما خرجت أريد الإصلاح في أمة جدي"، "أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي".

ولما عرف ان ثمن هذا الموقف هو حياته نفسها لم يتردد ولم يتغير ولم ينسحب، انما مضى قدما في طريق تغليب المصلحة العامة على مصلحته الشخصية، فقدم حياته فداءً لامته، امة جده، واكملت اخته زينب هذه الرؤية وهي تخاطب الله: "ربنا تقبل منّا هذا القربان"، لا يحتاج الامر الى موعظة، لوضوحه الشديد. على من احب الحسين واعلن موالاته ان يتخذه قدوة في تفضيل المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.

اضف تعليق