بقلم: هاشم معروف الحسني-مقتبس من كتاب سيرة الأئمة الاثني عشر(ع)

الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع) المعروف بين المحدثين بابن الخيرتين فأبوه الحسين بن علي بن أبي طالب، وأمه من بنات ملوك الفرس، وجاء في ربيع الأبرار للزمخشري: ان للّه من عباده خيرتين فخيرته من العرب بنو هاشم ومن العجم فارس وفيه يقول أبو الأسود الدؤلي:

وان وليدا بين كسرى وهاشم‏* * * لأكرم من نيطت عليه التمائم‏

ولادته كانت سنة ثلاثين كما قيل يكون في الثلاثين من عمره حين وفاة أبيه، واستمرت امامته أربعة وثلاثين سنة عاصر فيها ملك يزيد بن معاوية ومروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان، وتوفي مسموما كما جاء في أكثر الروايات الشيعية في عهد الوليد بن عبد الملك بن مروان وكانت وفاته في النصف الأول من شهر المحرم سنة خمس وتسعين هجرية وقيل غير ذلك.

ومن أشهر ألقابه زين العابدين والسجاد وذو الثفنات والبكاء والعابد، ومن أشهرها زين العابدين وبه كان يعرف كما يعرف باسمه، وجاء في المرويات عن محمد بن شهاب الزهري أنه كان يقول: ينادي مناد يوم القيامة ليقم سيد العابدين في زمانه فيقوم علي بن الحسين (ع)، كما جاء في تذكرة الخواص لابن الجوزي ان رسول اللّه (ص) سماه بهذا الاسم.

وجاء في تسميته بذي الثفنات كما في حلية الأولياء والكافي للكليني ان الإمام الباقر (ع) قال: كان لأبي في موضع سجوده آثار ثابتة يقطعها في كل سنة من طول سجوده وكثرته، وفي رواية الصدوق انه كان يقطعها ويجمعها وأوصى أن تدفن معه في قبره، فلما مات دفنت معه.

ويروي الرواة عن سبب تسميته بالبكاء عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) أنه قال: بكى علي بن الحسين على أبيه عشرين سنة ما وضع خلالها بين يديه طعام إلا بكى، وقال له بعض مواليه: جعلت فداك يا بن رسول اللّه، إني أخاف ان تكون من الهالكين، فقال: انما اشكو بثي وحزني إلى اللّه وأعلم من اللّه ما لا تعلمون، إني لم أذكر مصرع أبي واخوتي وبني عمومتي إلا خنقتني العبرة.

وفي رواية ثانية أن أحد مواليه قال له: اما آن لحزنك أن ينقضي ولبكائك أن يقل، فقال له: ويحك، ان يعقوب النبي كان له اثنا عشر ولدا فغيب اللّه عنه واحدا منهم فابيضت عيناه من كثرة البكاء واحدودب ظهره وابنه حي في دار الدنيا، وأنا نظرت إلى أبي واخوتي وعمومتي وسبعة عشر شابا من بني عمومتي مجزرين كالأضاحي، ونظرت إلى عماتي وأخواتي وقد احاط بهم أهل الكوفة وهن يستغثن ويندبن قتلاهن، واللّه ما ذكرت ذلك اليوم إلا وخنقتني العبرة.

وجاء عن أبي عبد اللّه الصادق (ع) أنه قال: البكائون خمسة: آدم ويعقوب ويوسف وفاطمة بنت محمد (ص) وعلي بن الحسين، أما آدم فلقد بكى واشتد حزنه لما أخرجه اللّه من الجنة، وأما يعقوب فلقد بكى على ولده يوسف حتى ابيضت عيناه من الحزن وقيل له‏ (تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوتَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ) وأما يوسف فإنه بكى على أبيه حتى تأذى من كان معه في السجن، وأما فاطمة فقد بكت على أبيها حتى لحقت به وقد تأذى أهل المدينة من بكائها وقالوا لها: لقد آذيتنا بكثرة بكائك، فكانت تخرج الى مقابر الشهداء تبكي يومها فإذا جاء الليل رجعت إلى بيتها، وأما علي بن الحسين (ع) فلقد بكى على أبيه اكثر من ثلاثين سنة ولم يقدم له طعام وشراب إلا وقال: كيف آكل وقد قتل أبو عبد اللّه جائعا وكيف أشرب وقد قتل أبو عبد اللّه عطشان، إلى غير ذلك مما رواه الرواة عن حزنه وبكائه عند كل مناسبة تذكره بما جرى الأهل بيته من المآسي والمصائب التي تحمل مرارتها طيلة حياته وكان كلما اجتمع إليه جماعة أووفد من وفود الأقطار يردد عليهم تلك المأساة ويقص عليهم من أخبارها ويخرج إلى السوق أحيانا فإذا رأى جزارا يريد أن يذبح شاة او غيرها يدنو منه ويقول: هل سقيتها الماء؟

فيقول له: نعم يا ابن رسول اللّه، انا لا نذبح حيوانا حتى نسقيه ولو قليلا من الماء، فيبكي عند ذلك ويقول: لقد ذبح أبو عبد اللّه عطشان.

وجاء عنه انه دخل يوما فرأى غريبا فسلم عليه ودعاه الى بيته لضيافته، وقال له بحضور جمع من الناس: أترى لو اصابك الموت وأنت غريب عن أهلك هل تجد من يغسلك ويدفنك؟ فقال الناس: يا ابن رسول اللّه كلنا يقوم بهذا الواجب، فبكى وقال: لقد قتل أبوعبد اللّه غريبا وبقي ثلاثة أيام تصهره الشمس بلا غسل ولا كفن.

وكان في اكثر مواقفه هذه يحاول أن يشحن النفوس ويهيئها للثورة على الظلم والظالمين الذين يستبيحون المحارم ويستهترون بالقيم والاديان في سبيل عروشهم وأطماعهم وقد اعطت هذه المواقف ثمارها وهيأت الجماهير الاسلامية في الحجاز والعراق وغيرهما للثورة فأعلنت الكوفة عصيانها وأظهر أهلها الندم لموقفهم المتخاذل من الحسين، وأحس أهل المدينة بأن تلك الصدمة قد أصابت الإسلام في الصميم فأنكروا على يزيد طغيانه وطردوا ولاته وكانت تلك المعركة التي استباح فيها قائده مسلم بن عقبة مدينة الرسول وقتل من أهلها اكثر من عشرة آلاف من علماء المسلمين وخيارهم.

صفته ولباسه‏

لقد جاء في صفته عن الفرزدق الشاعر أنه كان وسيما جميلا من أحسن الناس وجها وأطيبهم رائحة بين عينيه سجادة، يعني بذلك أن أثر السجود كان بارزا بين عينيه ولذلك لقب بذي الثفنات وقال في وصفه كما جاء في قصيدته الميمية المشهورة:

ينشق ثوب الدجى عن نور غرته‏* * * كالشمس تنجاب عن اشراقها الظلم‏

اللّه شرفه قدما وعظمه‏* * * جرى بذاك له في لوحه القلم‏

وكان مع ذلك أفضل أهل زمانه في أخلاقه وصدقاته وعطفه على الفقراء وأنصحهم للمسلمين معظما مهابا عند القريب والبعيد يشتري كساء الخز بخمسين دينارا، ثم يبيعه بعد فصل الشتاء ويتصدق بثمنه على الفقراء، وفي الصيف يلبس أفخر الثياب ويقول: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ) كما نص على ذلك ابن سعد في طبقاته.

وجاء عن الإمام الباقر (ع) أنه قال: كان أبي علي بن الحسين (ع) إذا انقضى الشتاء يتصدق بكسوته على الفقراء، وإذا انقضى الصيف يتصدق بها أيضا، والخز هو الغالب عليها، وقيل له: انك تعطي ثيابك من لا يعرف قيمتها ولا يليق به لبسها، فلو بعتها وتصدقت بثمنها، فقال: إني أكره ان ابيع ثوبا صليت فيه، وتواتر عنه أنه كان يلبس أفخر أنواع الثياب، واذا وقف بين يدي اللّه اغتسل وتطيب، وهكذا كان أكثر الأئمة (ع) في لباسهم ومظهرهم.

ومن ذلك يظهر ان الزهد في الدنيا الذي كان شعارهم لا يعني ترك الطيبات ولا التقشف في العيش، بل يعني العمل بما اراد اللّه واجتناب ما حرمه ونهى عنه وعدم التطلع إلى ما في أيدي الناس من متاع الدنيا وطيباتها، وقد جاء في الحديث: اعلى درجات الزهد ادنى درجات الورع.

ويروي الرواة ان ابن عيينة قال لأبي عبد اللّه الصادق (ع) ان جدك علي بن أبي طالب (ع) كان يلبس الخشن وأنت تلبس القهوي المروي، فقال: ويحك يا ابن عيينة ان عليا كان في زمن ضيق فإذا اتسع الزمان فأبرار الزمان أولى به.

وقال الإمام الصادق في وصفه لجده علي بن الحسين (ع): كان جدي اذا مشى كأن الطير على رأسه لا يسبق يمينه شماله ولا يخطر بيده وعليه السكينة والوقار.

وفي رواية عبد اللّه بن سليمان أنه قال: كنت مع أبي في المسجد فدخل علي بن الحسين ولست أثبته وعليه عمامة سوداء وقد أرسل طرفيها بين كتفيه فقلت لرجل قريب مني: من هذا الرجل الذي أرى؟ فقال لي: ما لك لم تسألني عن أحد دخل هذا المسجد غير هذا الشيخ؟ فقلت له: اني لم أر احدا دخل المسجد احسن منه هيئة فلذلك سألتك عنه، فقال: انه علي بن الحسين (ع).

الإمام علي بن الحسين في الكوفة والشام‏

لقد نشأ علي بن الحسين في بيت النبوة ومهبط الوحي في البيت الذي تحمل أقسى ما يتصور من الألم والمحن والمصائب في سبيل اللّه، واستقبل في طفولته الطرية محنة جده الأعظم وهو يتخبط بدمه في بيت اللّه، وبعدها وهو مقبل على الشباب محنة عمه الحسن وهو يلفظ كبده من السم الذي دسه إليه معاوية بن هند آكلة الأكباد، وشاهد في شبابه وهو طريح الفراش من المرض الذي كان يفتك بجسمه مصرع أبيه واخوته وبني عمومته وسبي عماته وأخواته من كربلاء إلى الكوفة ومنها إلى الشام ورؤوس الأهل والأصحاب على الرماح يتقدمها رأس أبيه، وشاهد عبيد اللّه بن زياد ويزيد بن معاوية ينكثان ثنايا أبيه تشفيا وانتقاما وقد عرضاه على السيف أكثر من مرة ولكن مشيئة اللّه كانت تحول بينهم وبين ما يريدون.

وجاء في طبقات ابن سعد أن علي بن الحسين أكبر ولد ابيه وكان مع أبيه بطف كربلاء وقد انهكته العلة والمرض، وروى عنه أبو مخنف أنه قال:

إني لجالس في تلك العشية التي قتل أبي في صبيحتها وعندي عمتي زينب تمرضني إذ اعتزل أبي في خباء له وعنده جون مولى أبي ذر الغفاري يعالج له سيفه ويصلحه وأبي يقول:

يا دهر أف لك من خليل‏* * * كم لك بالإشراق والأصيل‏

من صاحب وطالب قتيل‏* * * والدهر لا يقنع بالبديل‏

وكل حي سالك سبيل‏* * * ما اقرب الوعد من الرحيل‏

فخنقتني العبرة فرددتها ولزمت السكوت وعلمت ان البلاء قد وقع وأما عمتي زينب فإنها لما سمعت ما سمعت لم تملك نفسها أن وثبت تجر ذيلها حتى انتهت إليه ونادت وا ثكلاه ليت الموت اعدمني الحياة اليوم ماتت أمي فاطمة وأبي علي وأخي الحسن يا خليفة الماضين وثمال الباقين. فنظر إليها أبي وقال: يا أخية لا يذهبن بحلمك الشيطان وأوصاها بالصبر وحفظ العيال.

وقد روى الإمام علي بن الحسين الكثير من أخبار الطف وما جرى فيه من المعارك وخطبة أبيه في أهل الكوفة قبيل وفاته، وفي اللحظات الأخيرة من حياة أبيه دخل عليه وأوصاه بوصاياه وسلمه مواريث النبوة وكانت آخر وصية اوصاه بها: يا بني أوصيك بما اوصى به جدك رسول اللّه عليا حين وفاته وبما اوصى به جدك علي عمك الحسن وبما اوصاني به عمك، إياك وظلم من لا يجد عليك ناصرا إلا اللّه، ثم ودعه ومضى الى المعركة الأخيرة التي قتل فيها.

وهو الذي دفن أباه الحسين والقتلى من أهله وأنصاره كما في أكثر الروايات الشيعية وأخبر بني أسد بقبور الشهداء وأسمائهم وكانوا قد حضروا لدفنهم في اليوم الثالث أو الثاني عشر من المحرم، وإذا صح أنه هو الذي تولى دفنهم فخروجه بالطريقة التي يرويها الرواة لا تفسير لها إلا بمشيئة اللّه.

ولما دخل هو وعماته الكوفة اجتمع عليهم الناس فهالهم ذلك المشهد وجعلوا يبكون وينوحون، فأومأ إلى الناس أن اسكتوا، ووقف وهو عليل قد أنهكه المرض فحمد اللّه وأثنى عليه وذكر النبي وصلى عليه، ثم قال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا اعرفه بنفسي، أنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أنا ابن من انتهك حريمه وسلب نعيمه وانتهب ماله وسبي عياله، انا ابن المذبوح بشط الفرات، انا ابن من قتل جرا وكفى بذلك‏ فخرا، ومضى يذكر أهل الكوفة بكتبهم ومواعيدهم وبما ارتكبوه من الفظائع حتى ضج الناس بالبكاء والعويل كما يدعي الراوي، وإن كنت اشك في كل ما قيل حول خطبه وخطب عماته، لأن ابن زياد لا يمكنهم من مثل هذه المواقف التي تهيج عليه الرأي العام وتلهب المشاعر وقد اتخذ كل الاحتياطات عند دخولهم الكوفة حتى لا يترك مجالا لمتنفس.

ولما أدخل مع عماته على ابن زياد لعنه اللّه وأخزاه قال له كما يروي الرواة: من أنت؟ قال: انا علي بن الحسين، فرد عليه بقوله: أليس قد قتل اللّه علي بن الحسين، فأجابه الإمام: كان لي أخ يسمى عليا قتله الناس، فقال ابن زياد: بل اللّه قتله، فقال الإمام: اللّه يتوفى الأنفس حين موتها، فغضب ابن زياد وقال: أبك جرأة على رد جوابي؟ وأمر جلاوزته بقتله فتعلقت به عمته زينب واعتنقته وقالت: يا ابن زياد حسبك من دمائنا ما سفكت واللّه لا افارقه فإن اردت قتله فاقتلني معه، فرق لها وتركه.

ولما كتب يزيد بن معاوية الى عبيد اللّه يأمره بإرسال رأس الحسين ورؤوس القتلى مع السبايا الى الشام، أرسلهم إليه مع مخفر بن ثعلبة العائدي وشمر بن ذي الجوشن وجماعة من جنده، وكان كما يصفه الرواة مقيدا بالحديد، ولما بلغوا بهم الشام خرج أهلها إلى استقبالهم بأبهى مظاهر الزينة والفرح.

وجاء في كامل البهائي والبحار عن سهل بن سعد الساعدي أنه قال:

خرجت إلى بيت المقدس، فلما توسطت الشام فإذا بمدينة مطردة الأنهار كثيرة الاشجار وقد علق أهلها الستور والحجب والديباج وهم فرحون مستبشرون، والنساء تلعب بالدفوف والطبول، فقلت في نفسي: لا أرى لأهل الشام عيدا لا نعرفه، فأقبلت على قوم يتحدثون وقلت لهم: يا قوم ألكم بالشام عيد لا نعرفه؟ فقالوا: يا شيخ نظنك غريبا، فقلت لهم: انا صاحب رسول اللّه (ص) سهل بن سعد الساعدي وقد رأيت رسول اللّه وسمعت حديثه، فقالوا: يا سهل ما اعجبك ان السماء لتمطر دما والأرض لتنخسف بأهلها، فقلت لهم ولم ذاك؟ فقالوا: هذا رأس الحسين بن علي يهدى من أرض العراق الى يزيد بن معاوية، فقلت وا عجباه رأس الحسين والناس يفرحون كما أرى، من أي باب يدخل؟ فأشاروا إلى باب يقال له باب الساعات، فبينما نحن في الحديث وإذا بالرايات يتلو بعضها بعضا، وفارس بيده رمح منزوع السنان عليه رأس الحسين (ع) من أشبه الناس وجها برسول اللّه (ص) ووراءه نسوة على جمال بغير وطاء فدنوت من أولاهن وقلت: يا جارية من أنت، قالت: أنا سكينة بنت الحسين، فقلت لها: أ لك حاجة إلي أنا سهل بن سعد ممن رأى جدك رسول اللّه قالت: يا سهل قل لصاحب هذا الرأس يتقدم بالرأس امانا حتى يشتغل الناس بالنظر إليه عن النظر إلى حرم رسول اللّه، قال سهل بن سعد: فدنوت من صاحب الرأس وقلت له:

هل لك ان تقضي حاجتي وتأخذ مني أربعمائة دينار، قال: وما هي؟

قلت: تقدم الرأس امام الحرم، ففعل ذلك ودفعت إليه المبلغ، وفي رواية ثانية أن الذي طلب من سهل ان يدفع شيئا الى حامل الرؤوس هو الإمام زين العابدين (ع) ثم دعا يزيد بن معاوية أشراف الشام ووجوهها وأجلسهم حوله وأمر بإدخال علي بن الحسين والرؤوس والسبايا فأدخلوهم عليه مربطين بالحبال، فقال له علي بن الحسين: انشدك اللّه يا يزيد ما ظنك برسول اللّه لو رآنا على مثل هذه الحالة فلم يبق أحدا ممن كان حاضرا الا بكى كما جاء في بعض المرويات، فأمر يزيد بالحبال فقطعت، وأنشد حينما وضعت الرؤوس بين يديه:

نفلق هاما من رجال اعزة* * * علينا وقد كانوا أعق وأظلما

وكان يحيى بن الحكم شقيق مروان بن الحكم في المجلس فأنشد حينما رأى يزيد يترنح فرحا وسرورا:

لهام بأدنى الطف أدنى قرابة* * * من ابن زياد العبد ذي الحسب الوغل‏

سمية اضحى نسلها عدد الحصى‏* * * وبنت رسول اللّه اضحت بلا نسل‏

فضربه يزيد في صدره وقال: اسكت، والتفت الى علي بن الحسين وقال: أبوك قطع رحمي وجهل حقي ونازعني سلطاني فصنع اللّه به ما قد رأيت، فقال علي بن الحسين: (ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ ولا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى‏ ما فاتَكُمْ ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ) فقال يزيد لابنه خالد: رد عليه فلم يدر خالد ما يقول، فقال له يزيد قل له:

(ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ويَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ).

فقال له الإمام زين العابدين: يا ابن معاوية وهند وصخر لم تنزل النبوة والأمرة إلا لآبائي وأجدادي من قبل أن تولد، ولقد كان جدي علي بن أبي طالب في بدر وأحد والأحزاب في يده راية رسول اللّه (ص) وأبوك وجدك في ايديهما راية الكفار ويلك يا يزيد لو تدري ما صنعت وما الذي ارتكبت من أبي وأهل بيته لهربت في الجبال وافترشت الرماد ودعوت بالويل والثبور فابشر بالخزي والندامة إذا اجتمع الناس ليوم الحساب.

وقد روى الرواة ان يزيد بن معاوية أمر أحد أنصاره أن يصعد المنبر وينال من علي والحسن والحسين ويثني على معاوية، فصعد الخطيب المنبر وأفاض في ذلك على معاوية واطرائه ونال من علي والحسن والحسين، فقال له الإمام السجاد: ويلك أيها المتكلم لقد اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق فتبوأ مقعدك من النار، ثم التفت إلى يزيد وقال: أتسمح لي أن أصعد هذه الأعواد وأتكلم بكلمات فيها للّه رضا ولهؤلاء الجلوس اجر وثواب، فلم يأذن له يزيد بذلك، فقال له من في المجلس: ائذن له يا أمير لنسمع ما يقول، فرد عليهم يزيد بن معاوية بقوله: إذا صعد المنبر لا ينزل الا بفضيحتي وفضيحة آل أبي سفيان، فقيل له: وما قدر ما يحسن هذا الغلام، فقال كما يزعم الرواة: انه من أهل بيت زقوا العلم زقا، فلم يزالوا به حتى أذن له فصعد المنبر وحمد اللّه وأثنى عليه وقال: أيها الناس لقد اعطينا ستا وفضلنا بسبع، اعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبة في قلوب المؤمنين، وفضلنا بأن منا النبي المختار (ص) ومنا الصديق ومنا الطيار ومنا أسد اللّه وأسد رسوله ومنا سيدة النساء ومنا سبطا هذه الأمة ثم قال:

أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي أنا ابن مكة ومنى أنا ابن زمزم والصفا انا ابن من حمل الزكاة بأطراف الرداء، أنا ابن خير من ائتزر وارتدى أنا ابن خير من انتعل واحتفى، انا ابن خير من طاف وسعى أنا ابن خير من حج البيت الحرام ولبى، أنا ابن من حمل على البراق في الهوا، أنا ابن من اسري به من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى، أنا ابن من بلغ به جبرائيل إلى سدرة المنتهى، أنا ابن من دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلى بملائكة السماء، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى، أنا ابن محمد المصطفى وابن علي المرتضى، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا لا إله إلا اللّه، انا ابن من ضرب بين يدي رسول اللّه بسيفين وبايع البيعتين وطعن برمحين وهاجر الهجرتين وقاتل ببدر وحنين ولم يكفر باللّه طرفة عين، ولم يزل يقول انا انا ويعدد على الحضور مآثر جديه رسول اللّه وأمير المؤمنين وأبيه أبي عبد اللّه ويذكر ما جرى في طف كربلاء حتى ضج الناس بالبكاء والنحيب، وخشي يزيد ان ينتقض أهل الشام عليه كما تدعي الرواية فأمر المؤذن أن يؤذن ليقطع حديثه فلما قال المؤذن: اللّه أكبر قال (ع): لا شي‏ء اكبر من اللّه، ولما قال: أشهد أن لا إله إلا اللّه قال الإمام (ع): شهد بها لحمي ودمي وبشري وشعري، ولما قال: أشهد أن محمدا رسول اللّه، التفت علي بن الحسين إلى يزيد بن معاوية وقال: محمد هذا جدي أم جدك، فإن زعمت أنه جدك فقد كذبت وكفرت، وإن زعمت أنه جدي فلم قتلت عترته.

وانتهى الراوي عند هذا الحد من الحوار بين الإمام زين العابدين ويزيد ابن معاوية، وأضاف أنه كان في مجلس يزيد حبر من أحبار اليهود فقال ليزيد: من هذا الغلام؟ فقال: هو علي بن الحسين، وسأله اليهودي عن جده وأبيه وأمه فأخبره بنسبه حتى انتهى الى رسول اللّه (ص) فقال اليهودي: يا سبحان اللّه لقد قتلتم ابن بنت نبيكم بهذه السرعة بئسما خلفتموه في ذريته واللّه لو ترك فينا موسى بن عمران سبطا من صلبه لظننا انا كنا نعبده من دون اللّه، وأنتم قد فارقتم نبيكم بالأمس ووثبتم على ابنه فقتلتموه فسوءة لكم من أمة.

ومضى الراوي يقول: ان الإمام زين العابدين خرج في بعض الأيام من المكان الذي اعده يزيد للأسرى، فبينما كان يسير في بعض الأسواق واذا بالمنهال بن عمرو يستقبله ويسأله عن حاله، فقال له الإمام (ع): أمسينا كمثل بني اسرائيل في آل فرعون يذبحون ابناءهم ويستحيون نساءهم ثم قال له الإمام: يا منهال، أمست العرب تفتخر على العجم بأن محمدا منها وأمست قريش تفتخر على سائر العرب بأن محمدا منها، وأمسينا معشر أهل بيته ونحن مغصوبون مقتولون مشردون هكذا امسينا وأصبحنا يا منهال.

وفي رواية ثانية ان الإمام (ع) قال له: كيف يصبح من كان اسيرا ليزيد بن معاوية بالإضافة ما ذكرنا.

وكان يزيد بن معاوية قد وعد علي بن الحسين أن يقضي له ثلاث حاجات كما جاء في الملهوف، فقال له يوما: اذكر حاجاتك الثلاث اللاتي وعدتك بقضائهن، فقال له: الأولى ان تريني وجه أبي لأتزود من النظر إليه، والثانية أن ترد علينا ما أخذ منا، والثالثة ان كنت عزمت على قتلي أن ترسل مع هؤلاء النسوة من يردهن إلى حرم جدهن رسول اللّه، فقال له يزيد كما يزعم الراوي: أما رأس أبيك فلن تراه أبدا، وأما النساء فلا يردهن غيرك إلى المدينة، وأما ما أخذ منكم فأنا أعوضكم عنه أضعاف قيمته، فقال‏ له الإمام (ع): أما مالك فلا نريده وهو موفور عليك، وإنما طلبت منك ما أخذ منا لأن فيه مغزل جدتي فاطمة ومقنعتها وقلادتها وقميصها فأمر يزيد برد ذلك عليه وأضاف إليه مائتي دينار فأخذها وفرقها على الفقراء.

ويروي بعض الرواة ان يزيد بن معاوية خيّر الإمام زين العابدين بين البقاء بالشام والرجوع الى المدينة فاختار الرجوع إليها فجهزهم يزيد بن معاوية وأرسل معهم من يتولى ادارة شئونهم ورعايتهم خلال طريقهم وطلبوا من الدليل أن يعرج بهم على كربلاء فأجابهم لذلك وكان جابر بن عبد اللّه الأنصاري وجماعة من بني هاشم قد شدوا الرحال لزيارة الحسين (ع) فوردوا كربلاء قبل وصول السبايا إليها بيوم واحد وفيما كان جابر بن عبد اللّه ومن معه يجولون بين القبور واذا بموكب الإمام قد أطل عليهم من ناحية الشام، فقال له قائده وكان جابر: اذهب وأتنا بخبره مسرعا فان كان من أتباع ابن زياد لعلنا نأوي الى ملجأ، وان كان لعلي ابن الحسين وعماته وأخواته فأنت حر لوجه اللّه، فمضى وما لبث ان رجع مسرعا وهويقول: يا جابر قم واستقبل حرم رسول اللّه هذا زين العابدين قد جاء بعماته وأخواته، فقام جابر يمشي حافي الأقدام مسرعا حتى دنا من الإمام زين العابدين، فوقع عليه يقبله ويبكي فارتج المكان من كثرة البكاء، وقال له الإمام (ع): يا جابر هاهنا واللّه قتلت رجالنا وذبحت اطفالنا وسبيت نساؤنا وحرقت خيامنا.

وقال ابن طاوس في كتابه الملهوف انهم لما وصلوا الى كربلاء وجدوا جابر بن عبد اللّه وجماعة من بني هاشم ورجالا من آل الرسول (ص) قد اقبلوا لزيارة قبر الحسين فتلاقوا بالبكاء والعويل وأقاموا المأتم واجتمع إليهم من كان في جوار كربلاء من القبائل النازلة على الفرات، وبعد أيام قلائل مضى الموكب في طريقه الى المدينة كما جاء في المرويات التي وصفت رحلة السبايا من العراق الى الشام ومنها الى الحجاز على طريق كربلاء.

وروى الرواة مواقف للإمام زين العابدين (ع) في طريقه إلى الشام‏ وفي دمشق أيضا ونسبوا له وللرأس الشريف من الكرامات في الطريق ومجلس يزيد بن معاوية بأسانيد لا تثبت في مقام النقد والتمحيص وليس ذلك بغريب عليهم ولا ببعيد على اللّه سبحانه أن يستجيب لأوليائه بعد ان استجابوا له وبذلوا أعز ما يملكون مع انفسهم في سبيله.

ومما لا شك فيه ان يزيد بن معاوية وأعوانه الطغاة قد مثلوا مع الحسين في كربلاء ومع السبايا في الكوفة وفي الشام أقبح الفصول والادوار بنحو لم يعرف له تاريخ العرب نظيرا من قبل وليس ذلك بغريب على يزيد المستهتر الخليع الذي كان شاذا حتى بالقياس الى طغاة اسرته، اما التفاصيل التي رواها المؤلفون في مقتل الحسين وما تلاه من الأحداث فأكثر المرويات التي تعرضت لها من نوع المراسيل والقليل المسند منها على ما في بعضه من العيوب لا يغطي جميع تلك التفاصيل ولا نصفها.

الإمام علي بن الحسين في المدينة

يدعي بعض الرواة ان الإمام زين العابدين (ع) لما أصبح قريبا من المدينة حط رحله وضرب فسطاطه وأنزل النساء فيه وكان معه بشر بن جذيم، فقال له: يا بشر رحم اللّه اباك لقد كان شاعرا فهل تقدر على شي‏ء منه؟

قال بلى يا ابن رسول اللّه، قال: فادخل المدينة وانع ابا عبد اللّه، قال بشر: فركبت فرسي ومضيت حتى دخلتها فلما بلغت مسجد النبي (ص) رفعت صوتي بالبكاء وأنشأت اقول:

يا أهل يثرب لا مقام لكم بها* * * قتل الحسين فأدمعي مدرار

الجسم منه بكربلاء مضرج‏* * * والرأس منه على القناة يدار

ثم قلت: يا أهل المدينة هذا علي بن الحسين مع عماته وأخواته قد حلوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم وأنا رسوله إليكم أعرفكم مكانه، وأضاف الى ذلك الراوي أنه لم تبق في المدينة مخدرة إلا وبرزت من خدرها، ولم يبق في المدينة أحد إلا وخرج وهم يبكون ويندبون.

قال بشر بن جذيم: وبعد أن نعيته لأهل المدينة ولم يبق أحد إلا وخرج ضربت فرسي ورجعت فوجدت الناس قد أخذوا الطرق والمواضع، فنزلت عن فرسي وجعلت اتخطى الرقاب حتى دنوت من الفسطاط الذي فيه الإمام علي بن الحسين فخرج بعد أن ازدحم الناس حول فسطاطه خرج ومعه خرقة يمسح بها دموعه وأخرج الخادم له كرسيا وضعه له فجلس عليه وهولا يتمالك من العبرة وارتفعت أصوات الناس بالبكاء من حوله يعزونه بأبيه فأومأ بيده الى الناس أن اسكتوا وقال: الحمد للّه رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين بارئ الخلق اجمعين الذي بعد فارتفع في السماوات العلى وقرب فشهد النجوى نحمده على عظائم الأمور وفجائع الدهور وألم الفجائع ومضاضة اللواذع وجليل الرزء وعظيم المصائب الفاظعة الكاظة الفادحة الجائحة.

ثم قال: أيها القوم ان اللّه وله الحمد ابتلانا بمصائب جليلة وثلمة في الإسلام عظيمة قتل ابوعبد اللّه وعترته وسبي نساؤه وصبيته وداروا برأسه في البلدان من فوق عامل السنان، وهذه الرزية التي لا مثلها رزية.

أيها الناس فأي رجالات منكم يسرون بعد قتله، أم أي فؤاد لا يحزن من أجله، أم أي عين منكم تحبس دمعها وتضن عن انهمالها وأي قلب لا يتصدع لقتله، وأي فؤاد لا يحن إليه، وأي سمع يسمع هذه الثلمة التي ثلمت في الإسلام ولا يصم.

أيها الناس اصبحنا مطرودين مشردين مذودين شاسعين عن الأمصار من غير جرم اجترمناه ولا مكروه ارتكبناه ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ان هذا الا اختلاق، واللّه لو ان النبي (ص) تقدم إليهم في قتالنا كما تقدم إليهم في الوصاية بنا لما زادوا على ما فعلوا بنا فإنا للّه وإنا إليه راجعون من مصيبة ما اعظمها وأوجعها وأكظها وأفظعها وأمرها وأفدحها فعند اللّه نحتسب ما اصابنا وما بلغ منا انه عزيز ذو انتقام.

فأثار خطابه الأسى والحزن في نفوس تلك الجماهير التي احتشدت من حوله وارتج المكان بالبكاء والعويل وأحس المسلمون بمرارة تلك الصدمة العنيفة التي اصابت الإسلام في الصميم ومشت في أوصالهم الهامدة جذوة جديدة وفي ضمائرهم المشلولة روح النضال والدفاع عن كرامتهم التي باتت تهددها الأخطار من كل الجهات، ودب الشعور بالإثم في ضمير كل مسلم استطاع نصره فلم ينصره وسمع دعواته فلم يجبها، وبدأ المجتمع الإسلامي يشهد من حين لآخر تلك الانتفاضات التي كان يقوم بها أولئك الذين دب فيهم الشعور بالإثم والتقصير وأحسوا بأن كرامة كل مسلم قد اصبحت تحت اقدام يزيد بن معاوية والامويين بعد ان اقدم على قتل الحسين ريحانة الرسول وسبى نسائه فكانت ثورة التوابين والمختار بن عبيد الثقفي والمسلمين في المدينة وما حولها على يزيد بن معاوية خلال سنوات ثلاث مضت على مقتل الحسين وكان مقتله يلهب القائمين بها ويدفعهم على الاستماتة للتكفير عن تخاذلهم عن نصرته والخضوع للظالمين وأعوانهم وتوالى الثائرون بعد ذلك على دولة الأمويين بدون انقطاع تقودهم معركة كربلاء بمعانيها السامية الخيرة للتضحية والبذل بسخاء في سبيل ما يرونه حقا حتى تحطمت دولة الأمويين وقامت دولة العباسيين على حساب كربلاء وما جرى فيها للحسين وصحبه الكرام، واستمرت الثورات التي تقودها روح كربلاء بدون انقطاع ضد الظلم والطغيان والفساد عشرات السنين بل ومئات السنين.

ودخل الإمام زين العابدين المدينة بعد أن أتم خطابه وهو يكفكف دموعه فرآها موحشة قد خيم على أهلها الحزن والأسى ووجد ديار أهله خالية تنعى سكانها وانصرف عن شئون الناس ولم يكن يعنيه شيء من الدنيا وأهلها وظل في السنين الأولى من اقامته يبكي على أبيه ومن استشهد معه من اخوته وبني عمومته حتى عده المحدثون مع البكائين وقالوا: بأنه بكى على أبيه عشرين عاما أو أكثر من ذلك.

وجاء في حلية الأولياء بسند ينتهي إلى أبي حمزة الثمالي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) أنه قال: سئل علي بن الحسين عن كثرة بكائه‏ فقال: لا تلوموني فإن يعقوب النبي (ص) فقد سبطا من ولده فبكى حتى ابيضت عيناه، وقد نظرت إلى أربعة عشر رجلا من أهل بيتي قتلى على رمال كربلاء أ فترون حزنهم يذهب من قلبي.

وروى ابن شهر اشوب عن الإمام الصادق (ع) أنه ما وضع بين يديه طعام الا بكى فقال له مولى من مواليه: جعلت فداك يا ابن رسول اللّه إني أخاف أن تكون من الهالكين، فقال: إنما أشكوبثي وحزني إلى اللّه وأعلم من اللّه ما لا تعلمون، إني لم أذكر مصارع بني فاطمة إلا وخنقتني العبرة.

وروى الصدوق في الخصال أنه بكى على أبيه عشرين سنة وقال له مولاه: أما آن لحزنك أن ينقضي، فقال له: ويحك، إن يعقوب النبي كان له اثنا عشر ابنا فغيب اللّه عنه واحدا منهم فابيضت عيناه من كثرة بكائه عليه وشاب رأسه واحدودب ظهره من الحزن وابنه حي في دار الدنيا وأنا نظرت الى أبي وأخي وعمي وسبعة عشر رجلا من أهل بيتي مقتولين حولي فكيف ينقضي حزني، وقد اشتهر عنه ذلك بين الرواة وبين كل من تعرض لسيرته وتاريخه، وكان مع ذلك لا يترك مناسبة الا ويذكر فيها ما جرى لأبيه وأسرته في كربلاء، وأحيانا كان يطلب المناسبة ويبحث عنها ليحدث بما جرى على أهل بيته، فيذهب إلى سوق الجزارين في المدينة ويقف معهم يسألهم عما إذا كانوا يسقون الشاة ماء قبل ذبحها، وعند ما يسمعهم يقولون: انا لا نذبح حيوانا قبل ان نسقيه ولو قليلا من الماء يبكي ويقول: لقد ذبح أبو عبد اللّه غريبا عطشان فيبكون لبكائه حتى ترتفع الأصوات بالنحيب ويجتمع الناس عليه.

وكان إذا رأى غريبا في الطريق دعاه الى ضيافته وطعامه، ثم يبكي ويقول: لقد قتل أبوعبد اللّه غريبا جائعا عطشان في طف كربلاء إلى غير ذلك من المواقف التي كان يقفها في السنين الأولى بعد مقتل أبيه ليشحن النفوس بالحقد على الظالمين والكراهية ليزيد ودولته ويهيئها للثورة عند ما يحين وقتها، وقد ساهمت عمته زينب الكبرى في هذا النوع من التحرك السياسي المغلف بهذا اللون من الحزن المثير لعواطف الجماهير وغضبها ونقمتها على‏ يزيد وحكومته، وخيم على المدينة جومن القلق ينذر بتفجير الموقف بين حين وآخر، مما دعا عمروبن سعيد الأشدق بصفته المسئول الأول في المدينة ليزيد بن معاوية أن يكتب إليه كتابا يكشف له فيه ما سينجم عن مواقف العقيلة زينب بنت علي (ع) من أخطار تحيط به وبعرشه.

وما جاء فيه: ان وجودها بين أهل المدينة يهيج الخواطر وهي فصيحة عاقلة لبيبة وقد عزمت هي ومن معها على الثورة لتأخذ بثأر أخيها الحسين، فكتب إليه في جوابه يأمره بأن يضع حدا لنشاطها ويفرق بينها وبين الناس‏.

ومن المعلوم ان النشاط الذي كانت تقوم به السيدة زينب (ع) لم يكن يعدو ترديد تلك المأساة والنوح والبكاء المتواصل الذي ألهب النفوس وهيأها للثورة على يزيد وحكومته الجائرة التي لم تعد تهاب أحدا بعد قتل الحسين (ع) واستطاع الإمام زين العابدين (ع) وعمته العقيلة تعبئة النفوس للثورة، ولكنها كانت تبحث عن مبرر للانفجار.

اضف تعليق