هاري ساكز - ترجمة: سعيد الغانمي

 

يكمن أهم تأثير بقي للآراميين في انتشار لغتهم الآرامية، وقد انتشرت هذه اللغة في أنحاء العالم وأثبتت قدرتها على البقاء بحيث أن بعض الأقليات مازالت تستعملها حتى الوقت الحاضر، وقد اسهمت عوامل متعددة في هذا الإنتشار، أحد هذه العوامل هو الامتداد الواسع للآراميين، فقد تركت هجرة هؤلاء الناس جماعات منهم على طول الخطوط الرئيسة في كل مكان من ماوراء نهر الأردن في الغرب إلى المناطق القريبة من الخليج العربي في الشرق، وهذا ما أضفى على لغتهم مكانة عالمية وجعلها أداة مفيدة للإتصال عند التجار والإداريين.

وكان عامل آخر يرتبط بأنظمة الكتابة التي كانت مستخدمة حينئذ، ذلك انه حتى النصف الثاني من الألفية الثانية، كانت ممارسة الكتابة القياسية في كل مكان في الشرق الأوسط باستثناء مصر والكويت، تعتمد كتابة الخط المسماري على ألواح الطين، وتتم في الجزء الأكبر منها باللغة الأكدية (البابلية)، لتستعمل في الاتصالات والوثائق الاقتصادية في الغالب، وقد استعملت في في بعض الحالات في مصر نفسها . غير ان نظام الكتابة المسمارية البابلي كان نظاماً مرهقاً إذ يتطلب تعلم عدد كبير من العلامات الصورية والعلامات المقطعية، وهذا ماتستغرق السيطرة عليه عدة سنوات . وقبل ان تنتشر الكتابة خارج نخبة الخبراء المحترفين ، كانت هناك حاجة لشيء ما أبسط.

منذ اواسط الألفية الثانية كانت هناك محاولات متعددة لابتكار صيغة كتابية أبسط، وكان مبدأ هذه الأنظمة الكتابية الجديدة يتمثل في إهمال العلامات الصورية واختزال مئات العلامات المقطعية إلى عدد قابل للسيطرة ، وفي اكثر الحالات بثلاثين علامة أو أقل. وهذا يعني بدلاً من امتلاك علامات مقطعية منفصلة، كما هو الحال في الكتابة المسمارية البابلية، لمقاطع صوتية مثل : مي ، مَي ، مو ، ام ، يم ، وم ، ابتكر الإراميون علامة مفردة يمكنها تأدية جميع هذه المقاطع . ونحن نؤول العلامة المبسطة الناتجة بوصفها حرف (م)، برغم ان مبتكري هذا النظام ربما كانوا يفكرون في ان حرف الميم زائداً حركة أو علة غير محددة (قبلها أو بعدها).

وقد تمثل أنجح هذه الأنظمة الجديدة في الكتابة الألفبائية التي استعملها الكنعانيون، ثم الفينيقيون من بعدهم ، وهي الصيغة التي طورها الكنعانيون منذ زهاء ١١٠٠ق.م.. ولقد كانت هذه الصيغة أساس جميع الألفبائيات اللاحقة تقريباً. وقد استعار اليونانيون هذا النظام من الفينيقيين في وقت ماقبل عام ٨٠٠ ق.م. ، وحوّروه ليصير الألفباء اليونانية، والتي تطورت عنها بمرور الزمن مختلف الأنظمة الألفبائية المستعملة في أرجاء أوروبا.

(يرى بعض الباحثين أن الإغريق لم يقترضوا الألفباء من الفينيقيين، بل من الآراميين، ولكن أن منظمة التجارة الإغريقية الرئيسية وفي الشرق الأوسط كانت الساحل الفينيقي، وليس الأراضي الداخلية التي انتشر فيها الآراميون، فإن ذلك يبدو غير مرجح ).

وقد تبنى الآراميون ايضاً الألفباء الكنعانية - الفينيقية، بالتأكيد ليس بعد النصف الأول من القرن التاسع، مادام قد تم العثور على نقوش آرامية متعددة في سوريا ووادي الأردن. ومع حضور الآراميين في المنطقة بأسرها من سوريا حتى اقليم بابل، وانخراط بعضهم في التجارة العالمية، صارت اللغة الآرامية مناسبة على وجه خاص للوثائق التجارية والمراسلات الدولية.

وكانت تتمتع بميزة إضافية وهي ان النظام الكتابي الآرامي يمكن السيطرة عليه في غضون شهور، بدلا من السنين التي يحتاج اليها نظام الكتابة المسمارية. وحتى في الحلقات التي كان يطغى عليها استعمال الكتابة المسمارية دائماً، كانت الكتابة الآرامية تستعمل كنظام اضافي بعد منتصف القرن الثامن بفترة وجيزة.

في القرن السابع انتشرت الآرامية المتأخرة كلغة منطوقة، في حين بقيت الأكدية تتأرجح رسمياً، ومنذ ذلك الحين صارت تحضر الكلمات والصيغ النحوية الآرامية بأعداد متزايدة في الوثائق المسمارية من إقليم بابل. لكن مرت قرون قبل أن تحل الآرامية محل الأكدية كلغة منطوقة رئيسة، في كل من آشور وبابل، وظلت المسمارية لدى الدوائر الدراسية ضمن استعمال محدود لبعض الأغراض التخصصية، ولاسيما النصوص الدينية والفلكية، وصولاً حتى القرن الأول من الحقبة المسيحية.

ويمثل الكتاب المقدس شاهداً آخر على انتشار اللغة الآرامية حين. حاصر الآشوريون القدس عام ٧١٠ ق.م. فقد قبل بها كلغة للدبلوماسية، مادام رؤساء اليهود قد رغبوا في استعمالها في المفاوضات، برغم انها لم تكن مفهومة عند جماهير اليهود . وفي عام ٥٣٩ق.م.، حين احتل الاخمينيون بقيادة قورش الفارسي إقليم بابل، كانت الآرامية تنطق وتكتب من حدود إيران حتى مصر، وقد أعطاها داريوس (521-485) زخما جديدا باستخدام صيغة (الآرامية الإمبراطورية) كواحدة من اللغات الرسمية للإمبراطورية الفارسية. وحين نصب نقشاً مسمارياً بالفارسية القديمة والعيلامية والبابلية على وجه صخرة بيستون، فقد أعد ترجمات آرامية للنص أرسلت الى ميادين قصية مثل جنوب مصر ، كما اكتشفت أيضاً نقوش آرامية. من هذه الحقبة في مناطق شرقية بعيدة مثل أفغانستان. وظلت اللغة الآرامية اللغة المساعدة( lingua franca) للمنطقة برمتها من مصر إلى إيران حتى فتوحات الاسكندر في أواخر القزن الرابع ق.م. ، حين بدأت الإغريقية تحل محلها في بعض الأماكن

المكتبات

لقد شهد العقد الأول من التنقيبات الأساسية في منتصف القرن التاسع عشر على آلاف مؤلفة من النصوص المسمارية في كوينجق، موقع نينوى القديمة وهي الآن في المتحف البريطاني ، وفي ظروف الحفريات التي كانت تجري في ذلك الوقت لم يحفظ سجل دقيق عن الأمكان المستكشفة، لكن الدراسة اللاحقة لهذه النصوص أوضحت انها لابد من أن تنطوي على مادة تعود في الأقل إلى ثلاث مجموعات مختلفة. اولى المجموعات تضم رسائل ملوك آشوريين في الأساس من القرن السابع ق.م.، لابد انها جاءت من أرشيف أو ديوان. ملكي.

وتتألف المجموعة الثانية من وثائق اقتصادية وقانونية تعنى بقضايا المحاكم وبيع العبيد والبيوت والأراضي، وكانت ألواح كلتا هاتين المجموعتين اصلية، ذات محتويات ترتبط ارتباطاً مباشراً بالزمن الذي كتبت فيه.

وكانت الكثرة الكاثرة من الألواح الأخرى تنطوي على سمات تنفرد بها عن هاتين المجموعتين، وتحتوي اغلب الالواح التي لم تتعرض نهاياتها للتلف على تذييل، يذكر في العادة ضمناً او صراحةً ان اللوح نُسخ عن أصل أقدم منه. وفي كثير من الحالات كان عدد الألواح يحمل نسخا طبق الاصل من النص نفسه ، وان محتويات هذه الالواح لاعلاقة لها بالظروف السياسية والاقتصادية التي كانت سائدة حينئذ بل كانت ذات طبيعة مدرسية وأدبية.

ولاشك أن النصوص من الفئات الأخيرة كانت تمثل بقايا مكتبة قديمة. فالكاتب يذكر اسمه، وتأريخه والمعلومات المتعلقة باللوح، وكانت هذه المعلومات في الحقبة الاولى وجيزة جدا لكنها صارت تميل الى التوسع فيما بعد، وتثبت دراسة التذييلات المكتوبة على الواح كوينجق، ان هذه المكتبة كانت في صورتها الأخيرة من عمل الملك آشور بانيبال في القرن السابع ق.م.، مع ذلك اثبت البحث ان ملوكاً أقدم اتخذوا بعض الخطوات في هذا الاتجاه.

يزيد عدد الألواح المسجلة في كوينجقرعن 25000 الف لوح ليست جميعا من مكتبة آشور بانيبال، وقد عثرت التنقيبات الأثرية لاحقاً على مجاميع من النصوص في مواقع كثيرة أخرى غالبا ما تكون في المعابد والقصور فليست جميع المجموعات تأتي من المكتبات، غير ان هناك مجموعات اخرى من الالواح يكون موضوعها التعليم التقليدي وغالبا مايكون مماثلا لما عثر عليه في الواح المكتبة في كوينجق ، وهذا مايسوغ لنا اعتبارها اجزاء من مكتبات قديمة أخرى ، وإن لم لم تكن مكتبات واسعة سعة مكتبة آشور بانيبال.

* عالم اثار بريطاني ، درّس الاثار والتاريخ واللغات السامية ويعتبر من اهم الخبراء في الحضارة الآشورية.
**ناقد وكاتب عراقي مقيم في استراليا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2