مصطلح "العمالة للأجنبي"، تُعد اليوم من المفردات السياسية المستهلكة التي تعود الى حقبة ما قبل الاستقلال السياسي للبلدان، وما قبل استعادة الكرامة والحرية للانسان، بيد أنها كانت مفردة دارجة وطبيعية في عهد الاستعمار في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ونخصّ بالذكر الاستعمار البريطاني في بلادنا، بل كانت تمثل عنواناً مقبولاً، ليس فقط لدى الناس العاديين، إنما نخبة المجتمع، من مثقفين وملاكين وغيرهم.

واذا كان ثمة إجماع اليوم على نبذ هذا المصطلح من قاموسنا، بعد النضوج السياسي والفكري وتشكّل الوعي والثقافة باتجاهات عديدة، فهذا لا يعني بأي حال من الاحوال زوال روح هذا المصطلح وجذوره ، نعم؛ تغير الظاهر مع تغير الزمان والظروف، لكن لم يتم اجتثاث الجذور، ففي عهد الانتداب البريطاني، كان الموظف و الاديب وملاكي الاراضي وغيرهم، لا يشعرون بالحرج من الارتباط المباشر بالحاكم العسكري والبريطاني، وجعله الحاكم والوصي على مقدراتهم، وفي فترة لاحقة، ظهرت الانظمة السياسية البديلة عن الاستعمار، وبدأ عصر جديد من "العمالة"، حيث اصبحت "العمالة" بأشكال وآليات اخرى، ابرزها؛ وصم المعارضين لهذه الانظمة بنفس هذا المصطلح الذي يفترض ان يكون قد رحل مع الاستعمار البريطاني. فبعد ان تقمّص ضباط الانقلاب العسكري، ثوب الوطنية والجماهيرية وغيرها من العناوين الجميلة، باتت "العمالة" تهمة جاهزة لفصل المعارض او المصلح عن مجتمعه.

واذا كنّا نريد المعيار الدقيق لمعرفة الاكثر حرصاً على استقلال بلده وكرامة شعبه وما يحمله من طموحات واهداف مستقبلية، ما علينا إلا العودة الى بداية الصراع مع المستعمر... ومن كان يُمالئ ويجاري، بل يتحالف مع المستعمر؟ ثم من كان يقف بوجه الحاكم العسكري البريطاني ويتحداه في قراراته، في وقت كان البريطانيون في قمة الزهو والخيلاء بعد انتصارهم على الدولة العثمانية، ويعدون العراق – مثلاً- جزءاً من التركة العثمانية؟

بشهادة المؤرخين والباحثين، يقف علماء الدين في طليعة المتصدّين للمستعمر والاجنبي، في سياساته ونهجه وقراراته، ومن ابرز الاسماء في هذه الساحة، المرجع الاعلى الراحل الشيخ ميرزا محمد تقي الشيرازي – طاب ثراه- الذي قاد أول انتفاضة جماهيرية مسلحة في العراق بوجه الاستعمار البريطاني، وكان المنطلق هو تحقيق القمة في الاستقلال والكرامة للعراقيين، حيث كان البريطانيون على وشك الحصول على التأييد الكامل من نخبة المجتمع بإدارة العراق على يد ضباط من الجيش البريطاني، بدعوى عدم قدرة العراقيين على ادارة انفسهم بأنفسهم، وذلك من خلال مسرحية "الاستفتاء" التي يتحدث عنها المؤرخون بالتفصيل.

ويعود الصراع بين علماء الدين والاستعمار ومحاولات الاخير استمالة العلماء الى بدايات احتلال العراق عام 1917، فقد أيقن البريطانيون منذ تلك الايام استحالة توظيف علماء الدين والحوزة العلمية كما يوظفون الشعراء والموظفون والضباط، وهذا ما يؤكده الدكتور علي الوردي في كتابه الخاص عن ثورة العشرين ضمن موسوعته "لمحات اجتماعية"، وفي اكثر من فصل في الكتاب، فهو يتحدث عمن يسميهم بـ "الافندية" الذين كانوا على جانب علماء الدين، مصدر قلق وخطر على البريطانيين لما يتمتعون به من تأثير على الجماهير وقدرة على صنع الرأي العام. فرفضوا بداية الانصياع والرضوخ، ولكن بعد أن "اغدقوا عليهم الوظائف اسكتوهم". أما عن علماء الدين، فان المستعمر حاول استمالتهم بكل وسيلة، "فنجح مع السنّة وفشل مع الشيعة...".

إما الصمت وإما الإهانة

كان البريطانيون يجهلون في بداية أمرهم، حقيقة أساسية في بنية الحوزة العلمية وشخصية علماء الدين، وهي استقلاليتهم الكاملة عن السلطة، وهو الخط المبدئي الذي التزموه منذ غياب الامام الحجة المنتظر – عجل الله فرجه-، فكانت ادارة الحوزة وتمويلها ومنهجها غير خاضع لسلطان او حاكم بأي حال من الاحوال، لذا كانت المواقف والرؤى تأتي مستقلة بالكامل لها خصوصيتها وتميّزها في الامة، وهذه حقيقة لا يماري فيها أحد، بيد ان المستعمر آنذاك حاول شراء صمت بعض علماء الدين، منهم الميرزا الشيرازي، وذلك بعد وفاة المرجع الاعلى في زمانه السيد كاظم اليزدي – طاب ثراه- حيث أرسل نائب الحاكم البريطاني رسالة تعزية اليه تضمنت بعض "التلميحات ذات المغزى..." حسب الدكتور الوردي، ومما جاء فيها عن شخصية المرجع الراحل انه كان "...عاملاً تسكين الخواطر، ناصحاً عاقلاً، رشيداً حيكماً، حازماً هماماً، محرضاً للناس على التزام جانب السكينة، هادياً لهم الى طريق الخير والصلاح، ناهياً لهم عن ارتكاب الهفوات والغلطات....".

كان تاريخ هذه الرسالة هو الخامس من شهر آيار عام 1919، وبعد شهر واحد فقط، شدّ الحاكم البريطاني نفسه الراحل صوب كربلاء المقدسة للقاء الميرزا الشيرازي، على أمل الحصول على النتائج الايجابية من الرسالة، بيد أن الخيبة والخسران كانت حليفة الجنرال ويلسن، فقد جرى حواراً طويلاً يذكره الوردي في كتابه، تضمن ثلاث مطالب عرضها ويلسن، وضربها الميرزا الشيرازي بها عرض الحائط، وهي: تعيين سادن (كليدار) شيعي للروضة العسكرية في سامراء، وتأييد المعاهدة البريطانية الايرانية، والافتاء بحرمة القتال الذي كانت تخوضه القبائل جنوب ايران ضد القوات البريطانية "حقناً للدماء". يقول الوردي: "أدرك الانجليز انهم غير قادرين على التأثير على الشيرازي بأية وسيلة، ولهذا أبغضوه وذمّوه ذماً قبيحاً، وقد وصف ويلسن الشيرازي في مذكراته بانه يشبه البابا ليو التاسع، قديس بسيط ذو مزاج ميال لتضليل نفسه والعالم...". وفي رسالته الى قادته في لندن كرر ويلسن نعته القبيح للميرزا الشيرازي بما يعبر عن ملامح الهزيمة المنكرة لقائد عسكري لدولة عظمى أمام عالم دين في احدى البقاع التي يهيمن عليها الاستعمار البريطاني، فقال: "المجتهد الرئيس في كربلاء في سن الخرف، ومحاط بعصابة من طلاب المال الذين لا ضمير لهم...."!!

هذه الرسالة موجودة في أدراج مظلمة خاصة بالوثائق السرية، ولم تصل الى عامة الناس، بيد أن فحيح هذه الرسالة وصل الى الشارع العام، فقد تعرّض الامام الشيرازي الى نوع من التسقيط من خلال ترويج معلومات مغلوطة ومزيفة قبل وبعد وفاته، فان لم يقدروا عليه، فقد وجهوا التهمة لابنه السيد محمد رضا، بانه كان موالٍ للثورة البلشفية آنذاك، والعجيب حقاً، أن يستند بعض الباحثين العراقيين في هذه التهمة الى شخصية مخابراتية بريطانية مثل "المس بيل"!! بيد ان هذه التضحية لن تكون كبيرة للميرزا الشيرازي وأسرته وما حصل لأبناء أسرته فيما بعد، أمام قضية حضارية كبرى وهي التصدّي لاختراق اجنبي ومحاولة ابتلاع شعب وبلد، وتغيير ملامح أمة.

محاربة النمط

عندما يفشل الاستعمار القديم في تطويع نخبة المجتمع، فانه يلجأ الى خلق أنماط جديدة تقوم بالدور المطلوب، منها "التوظيف"، وقد حكّم البريطانيون هذا المنهج، منذ انسحابهم من الساحة، تاركين خلفهم أنظمة حكم يقودها ضباط وساسة وخبراء تلقوا تعليمهم في الجامعات البريطانية بشكل خاص، والغربية بشكل عام، بيد أن علماء الدين كانوا لهم بالمرصاد، وفي المقدمة أسرة الشيرازي، وبما أن الحديث في هذا الحيّز حول الميرزا الشيرازي قائد ثورة العشرين، أجد لزاماً التأكيد على أنه أسس لمبدأ المقاومة لأي اختراق من الخارج، سواءً الثقافي منه والسياسي، ومن مواقفه التاريخية، انتقاده العنيف لشخص ايراني الاصل عينه البريطانيون متصرفاً لكربلاء المقدسة خلفاً للميجر البريطاني "بوفل"، وحسب المصادر فان ويلسن عيّن الميرزا محمد البوشهري كونه شيعياً، وذلك في شهر ايلول عام 1919، أي بعد شهرين على لقاء الحاكم البريطاني بالامام الشيرازي، وينقل عنه أنه تلقى اللوم الشديد من الميرزا الشيرازي، لان الظاهر كان محاولة إرضاء اهالي كربلاء، وكسب تأييد الميرزا الشيرازي، بيد ان الحقيقة كانت إرضاء المصالح البريطانية، وهو ما افصح عنه الميرزا بوضوح امام هذا الموظف، حيث بيّن له أن البريطانيين يستغلون تشيعه لمصالحهم الخاصة، كما ورد في حديث له أمام الدكتور الوردي في أواخر ايامه.

هذا النهج الذي أقضّ مضاجع الدوائر المخابراتية في العقود الماضية، كما أقض مضاجع الدوائر الاستعمارية في القرون الماضية، هو ما مضى عليه رموز الأسرة الشيرازية، ولم يتوقف عند الميرزا الشيرازي، ولطالما حذر الامام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي من مغبة انزلاق البعض في مهاوي المغريات الوظيفية أملاً في تحسن الحال وحل بعض المشاكل المعيشية. ومما قاله ذات مرة لأحد الاصدقاء الذي جاء لاستشارته في أمر التوظيف في إحدى الحكومات العراقية السابقة، بأنك لن تكون موظفاً حقيقياً، إنما يكون مثلك مثل السيجارة في ايديهم.... حالما ينتهون من سحب الدخان منها وتتحول الى عقب سجارة، يرمونها ارضاً ويدوسونها باحذيتهم...!

ان أهم سبب وراء العلاقة المتأزمة بين علماء الدين والانظمة السياسية في بلادنا بشكل عام، إصرار الحكومات والحكّام ايضاً، على أن يكون عالم الدين او الحوزة العلمية، جهة منفذة ومطيعة للأوامر، او على الاقل مسايرة للأمر الواقع الذي يخلقه ويفرضه الحاكم بما استحوذ عليه من ثروات الشعب بقوة السلاح والخديعة والعمالة للدول الكبرى. فاذا كان الحاكم في هذا البلد او ذاك، يشعر انه صغير وحقير أمام دول متقدمة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وليس امامه سوى الانصياع ومراعاة مصالحهم، فانه لن يتحمل بأي حال من الاحوال وجود شخص او جهة بالقرب منه على النقيض منه، بل وتسعى لكشف حقيقته امام الناس.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0