لو عدت عليا، حاربك الداعون اليك وعدّوك شيوعيا..

تلك نبوءة شاعر في السبعينات حتى قبل ان تتسلم أحزاب الإسلام الشيعي السلطة في أي من البلدان التي يتواجدون فيها.. وأقول نبوءة، لان الشاعر في الكثير من شأنه الشعري يستشرف المستقبل ببصيرة تغيب عن الاخرين.. وهو متهم دوما باتصاله او لعبه مع الجن.. الم يكن في مكة واديا يعرف بوادي عبقر حيكت الاساطير حوله واتهام الشعراء باتصالهم بهؤلاء الجن في عزلتهم؟، الم يتهم محمد (صلى الله عليه واله وسلم) بالشعر؟ ليس بنظمه، بل بهذا الاتصال الماورائي والغيبي بعالم الجن او غيره من عوالم.

ما بال علي (ع) يحاربوه؟، انه لفرط حقيقته عد اسطورة من الاساطير، لهذا نعيش الانفصال بين المثال والواقع.. كتابه لمالك بن الاشتر، وثيقة حقوق بالدرجة الأساس، وليست مسؤوليات للحاكم او الوالي او صاحب السلطة، الا بقدر تعلق تنفيذ تلك الحقوق وايصالها للمحكومين، بهذه التسميات.. فتكون كل مسؤولياتهم وليس جزءا منها.. فهي أي الوثيقة من (عبد الله)، والتجلي الأبرز لهذه العبودية خدمة مخلوقاته، واشرفها الانسان..

من الحكومة الخادمة الى الحكومة المصلحة

لانها اضاعت بوصلة علي (ع)، لم تهتد به ولم تصل الى ضفافه.. اتحدث عن العراق وحكومته الشيعية.. اول حكومة في العصر الحديث في بلد يحتضن ضريح علي (ع)، ويدعي أصحابها انهم يحتضنون تعاليمه.. ومنها كتاب (عبد الله)، لكنه مجرد تنويع شيعي على تقاسيم الليل والنهار السياسي، لمصالح واطماع يرفضها علي (ع).

التظاهرات العراقية منذ شهور، خرج فيها اليسار العراقي، وهو شيعي في معظمه، بعد ان تحولت التسمية من اليسار في أيام ازدهار الشيوعية والاشتراكية، في الاوساط الشيعية، ومنها نالوا تهمة الشين الثلاثية (شيعي – شيوعي – شروكي) الى تسمية الناشط المدني او السياسي، بعد ازدهار الليبراليات والديمقراطيات.. لكنها أيضا يمكن ان تؤشر لعودة يسار اخر من جديد.

تلك التظاهرات انضم اليها جميع من حارب عليا (ع)، وانضم اليها مقتدى الصدر، وابتعد بخطوة اكبر عن غيره حين دعا لاعتصام كان عموده الفقري جماعات علي (ع)، المبتلاة بهذا المثال يصارع واقعهم وواقع من يحاربوه.. لكنه مثال قابل للتنزيل على الأقل في الكثير من هوامشه، ولا أقول متنه، لبعد المسافة بيننا وصاحبه.. التظاهرات والاعتصامات وجه من وجوه عديدة ضد من يحاربون عليا (ع)، وهي جزء من الصراع بين الاخوة في البيت الشيعي. واتحدث عن الاخوة الكبار وشعاراتهم.. التيار الصدري وشعار الاعتصام، المجلس الاعلى ووثيقة الشرف، النواب المعتصمون وبيضة قبانها جماعة المالكي.

صراع حول الحصص والمكتسبات ومواقع السلطة التي حازها هؤلاء بعد العام 2003 وبعد قرون من الابعاد والاقصاء عنها.. وهو ابعاد واقصاء لكونهم مختلفين عن الاخر الاسلامي، لهذا تراهم قد انشغلوا طيلة قرون بالاهتمام بهذه الوثيقة (للامام علي (ع)) ولم يستوعبوا مقدار الحقوق فيها من (عبد الله)..وهنا في هذه النقطة يمكن ا ن نؤشر ربما لخلل اصاب عقل المثقف الشيعي بجميع تلويناته الدينية والمدنية.

فالمثقف الديني الشيعي انشغل بالعقائد واصبح وعاءا لها دون وعي في الكثير من الاحيان، يمتليء بها ولاتفيض منه الا وعدا غير قابل للتحقق على ارض الواقع.. والمثقف المدني حاول الانشغال بالعقائد بوعي دون ان يكون وعاءا لها، ومن هنا جاء انفصاله عن مجتمعه وغربته عنه.. وان كان هذا المثقف هو ابن بيئته التي لايمكنه الفكاك منها ومن تاثيرها عليه.

ولهذا لا يمكن له الابتعاد كثيرا عن الصنف الاول، لانه الاكثر اشغالا للمجالات العامة (على الاقل في هذه السنوات القليلة الماضية)..

المثقف الشيعي (واتحدث عن العراقي تحديدا) يمكننا ان نصنفه على الشكل التالي:

مثقف يمتلك ادوات التغيير لكنه منعزل عن مجتمعه.

مثقف يمتلك ادوات التغيير لكن لا يفهمه مجتمعه.

مثقف لا يمتلك ادوات التغيير الا ان لديه حظوة لدى السلطة، لأنه يعتبر من حراس العقائد.. وهو السائد الاعم في اوساط مثقفي الشيعة.

واقول (مثقفين) تماشيا مع االابتذال الذي لحق بهذه الكلمة في استعمالاتها الساذجة والممجوجة.. فالجميع اصبح مثقفا في (عصر التشيع الامريكي) ولا فرق بين البحث عن معنى او مبنى او مبغى (العهر السياسي والثقافي).

يمكن ان نؤشر لملاحظة في التأليف والاهتمام الشيعي بالأمام علي (ع)، فقد سادت في النصف الثاني من القرن المنصرم، حركة تأليف كبيرة حوله وجميع ما ارتبط بحياته من قيم مثل العدالة والزهد والتقوى وغير ذلك، لكن هذا الاهتمام تضاءل لدرجة الاختفاء بعد العام 2003 حين اصبح المنادون بالعدالة والزهد والتقوى اصحاب سلطة وحكام في بلد النموذج العلوي للحكم.. ترافق ذلك مع كثافة في العودة للحسين وشعائره.. من العدالة الى التضحية لأجل التضحية في لحظة عدمية شيعية بعد العام 2003 (نصوص الشعر حول القتل والموت).. وهو ما استفاد منه السياسي الشيعي في خطاب الكراهيات والهويات المنفلتة بعد ذلك العام.. وكانت جماعات علي (ع) العادل والزاهد والانسان هي الوقود لتلك المفارقة.. وكان اللاهجون باسم الامام – الامام هم الفائزون في ماراثون السباق على السلطة.. اتحدث عن الامام العقيدة والامام الحقوق.. وقد تجلى "الامام – العقيدة" كثيرا في سنواتنا تلك عبر (تاج راسك، ومختار العصر، والخط الاحمر)، طالما هم الممثلون الوحيدون والشرعيون له..

وتناسوا "الامام – الحقوق" الذي يفترض ان يكون قدوة حاضرة لهم في فعل السياسة المرتبط بالانسان.

................................
* ورقة قدمت في ملتقى النبأ الاسبوعي من قبل مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث..المنعقد في 23 / نيسان /2016 ..

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1