هنالك ظاهرة انسانية – اجتماعية واسعة النطاق – الى حدٍ ما- نلاحظها في علاقاتنا مع بعضنا البعض، وهي عدم وجود قواعد ومعايير ثابتة لإقامة العلاقات الصادقة والمتينة بين الأفراد، فبقدر سرعة التعارف والتواصل وإقامة علاقات الصداقة، تكون سرعة التجاهل والتقاطع لسبب أو لآخر. وهذا لا يقتصر على العلاقات الاجتماعية، بين طالب وزميله، او بين الموظف ومديره وحتى في محيط الأسرة وفي كل مفاصل المجتمع، وصولاً الى العلاقة بين القائد والزعيم وبين افراد المجتمع وابناء الأمة.

ربما تكون مستحدثات الزمن وتشابك الافكار وتضارب الرؤى، هو الذي يفقد البعض البوصلة الموحدة لطريق قويم نحو صداقة وعلاقات حقيقية تدوم مع الانسان وتثمر عن نتائج باهرة وبناءة للاثنين وللمجتمع بأسره.

فالقضية ليست خاصة بين اثنين او اكثر، إنما تعني بمصير المجتمع والأمة، فالأمة التي تحكمها معايير القيم والمبادئ، فان علاقاتها بين افرادها تكون وفق هذه المعايير، لذا نلاحظ التماسك والتكاتف والتلاحم بين مجتمعات الاقليات الطائفية والقومية والعرقية، فنجد أن الواحد يحمل أخاه على اكثر من سبعين محملاً، مهما كلفه ذلك، ولا يطعن به او يتخلّى عنه حتى وإن كان على باطل، والدافع وراء ذلك، نلاحظه في الجذور القومية او العرقية او الطائفية، لكن لنأت الى مجتمع اسلامي في بلد واحد، او مجتمع في اطار المذهب الواحد، فضلاً عن الحديث عن الأمة الاسلامية المترامية الاطراف، نجد ظهور حالات تنافر وتباعد بين البعض، وبشكل سريع غير متوقع، ربما يكون من الصعب فهم الاسباب الحقيقية وراء ذلك، إلا بعد عملية تقصّي وبحث في القضية...!

سماحة الامام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي – قدس سره- يُعد بحق من أبرز وأشهر من يعتز بالعلاقات الاجتماعية، مع الصغير والكبير والطالب والعالم والثري والفقير، لم يكن يبخل بابتسامة او التفاتة او عناية الى أي انسان يزوره ويلتقي به. هذه العلاقة لم تكن لقضاء الوقت او المجاملة الفارغة وكسب ود الناس لهدف ضيق، إنما يتطلع الى اهداف بعيدة تصب في مصلحة المجتمع والامة أكثر مما تفيده بشيء، وربما تكلفه ما لا يطيقه أحد، لذا ينقل لنا تجاربه في الطريقة الصحيحة في إقامة العلاقات، وايضاً في طريقته بالتعامل مع هذا البعض ممن لا يطيقون هذا النوع من العلاقات، بمعنى أننا امام درس للنخبة المثقفة ولعامة المجتمع.

ينقل في كتابه "لكيلا تتنازعوا" أن "اتفق ذات مرة أن كان لي صديق، كنت احافظ على صداقتي معه، رغم رفض الاصدقاء الآخرين له، بل ممارستهم الضغوط عليّ بأن اتركه، وبعد مدّة قليلة، حدثت لنا مشكلة، فقلت: من يستطيع حلّها؟ ومن يتمكن من الذهاب الى الموظف الحكومي ويطلب منه حل المشكلة؟

سكت الجميع... فقلت لهم: ان صديقنا الذي طلبتم مني تركه، هو القادر على لعب هذا الدور، وبالفعل انجز المهمة التي وكلت اليه".

وهنالك امثلة عديدة في المجال في سجل حياة الامام الشيرازي، تذكرنا دائماً بمدى حب الامام الراحل وتأثره الشديد بشخصية الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، في هذه الخصلة والسمة، وفي سائر الصفات والخصال الحميدة الاخرى.

ولعلني استذكر الحادثة التي وقعت مع الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، بينما كان جالساً من عدّة من اصحابه، فجاءه أعرابي وتكلم بكلام جارح مع النبي الأكرم، فهمّ البعض من الجالسين بالهجوم عليه بقصد تأديبه، فنهاهم النبي على الفور، وجاء الى ذلك الاعرابي وتبسّم بوجهه وقضى حاجته، ثم ذهب الى حال سبيله. عندها توجه النبي الى اصحابه، وقال: ان مثلكم مع هذا الاعرابي، مثل صاحب ناقة فرت منه، فاذا هبّ الناس خلفها لم يزيدوها إلا بعداً عن صاحبها، وإن تركوها مع صاحبها كان ذلك أجدى وأنفع بأن يعيدها الى سيرتها الاولى.

نعم؛ ربما يكون السبب في اهتزاز جدار العلاقات الاجتماعية، هو تحولات المزاج والرغبات الشخصية، وهذا ينسحب على الصعيد الفردي المحدود، بيد ان فقدان الرؤية الحضارية والوعي بالصالح العام، هو الذي يمثل اليوم سبباً – من جملة اسباب – في وجود جدار عدم الثقة بين المجتمع والدولة، وبين المنتسبين في أجهزة الدولة نفسها، فضلاً عن العلاقات بين افراد المجتمع. بينما نجد المجتمعات الحيّة ذات الصفات الحضارية، تتسم بالمرونة في العلاقات مابين افرادها. يكفي أن نلاحظ أنهم عالجوا بعد المسافات وانشغالهم بالاهتمامات والالتزامات في الحياة اليومية المعقدة في العصر الحاضر، فابتكروا "التواصل الاجتماعي" الكترونياً، والمثير حقاً، أننا في الوقت لا توجد عندنا مشكلة في الوقت او الجهد للتواصل الاجتماعي المباشر في معظم الاحيان، نتخذ من هذه الوسيلة العالمية والمجانية للتواصل الاجتماعي، ثم ننزلق الى متاهات التشهير والتسقيط والانتقاد الهدّام، الى جانب تفريغ الهموم وصب كل المشاكل والعقد النفسية على صفحات هذا البرنامج.

إذن؛ فنحن أمام دعوة مفتوحة للخروج من دائرة الذات الى رحاب المجتمع الكبير، وتحمل مسؤولية البناء الاجتماعي والحضاري. طبعاً؛ الامر بحاجة الى صبر ورباطة جأش وطول أناة، فالإنسان يبقى صاحب مشاعر واحاسيس، ويحمل نقاط الضعف والقوة، والسلبيات الى جانب الايجابيات. مما يدعو الى القبول بالآخر واحترام المختلف على الاصعدة كافة. ولا أروع من يعبر عن هذه الحالة الحضارية، هو سماحة الامام الشيرازي حيث يقول: "...الناس الذين لا يتحملون المسؤولية، تجذبهم السلبيات أكثر من الايجابيات. أما الذين هم أهل للمسؤولية، فهؤلاء ايجابيون دائماً في الحياة، وعلى اصحاب المسؤولية إقناع من لا مسؤولية عنده أن يتوقف عن ممارسة السلبيات حتى يعمّ الخير أرجاء العالم...".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0