ارتبط الوعي في بلداننا المأزومة بالمواجهة العسكرية والسياسية والاقتصادية وحتى الثقافية، ولأن المسألة تتعلق بساحة حرب يقف في الطرف المقابل عدو لدود، فان جميع مشتقات هذه المفردة صارت ذات جهوزية عالية لتحفيز المشاعر، مثل اليقظة والمعرفة والادراك وغيرها، بغية تعبئة النفوس لتعزيز المواقع والحؤول دون حدوث اختراقات او ثغرات قابلة للنفوذ. في حين نجد رؤية علماء النفس الى هذه المفردة، بشكل آخر اكثر شمولية، فهو "المعرفة والاستيعاب وكشف الواقع. انه تلك المعرفة المباشرة للنشاط النفسي الذاتي". فهو عملية تنشيط ذهنية بحثاً عن القدرات والفرص المتاحة، بمعنى أن الوعي، هو – بالحقيقة- حالة ذهنية مرنة قابلة للانفتاح على مستجدات الحياة وتجارب الآخرين.

من هذا المنطلق نفهم أن الوعي ليس بالضرورة يفيدنا في تنظيم الاعتصامات وتسيير التظاهرات الاحتجاجية – المطلبية، او تلك التي تتحدث عن "كسر العظم" والتغيير الجذري الشامل. إنما بالامكان الخروج من بصيرة الوعي بافكار كبيرة لا تحل مشاكل الحاضر وازماته، وإنما تمتد الى آفاق المستقبل.

وبالرغم من اتفاق الجميع على سلبية الوضع القائم في العراق، بسبب الانسداد السياسي وتراكمات الفشل في الادارة والسياسية و إفرازاته السيئة وفي المقدمة "الفساد" و"الارهاب"، بيد أن هذا لا يكون دليلاً على حالة "تطبيع الفشل" في الحياة العامة، حيث تتجه كل المطالبات نحو التغيير الجذري، باقتلاع جذور المشكلة من اساسها، بغض النظر عن الكيفية وثمن هذا التغيير، وما اذا كان سيدخل البلد والشعب في نفق مظلم آخر اكثر طولاً. وهذا ما نلاحظه في احاديث الشارع، ثم في اقلام النخبة المثقفة وبعض القيادات في الساحة، وهذا يجعل الانسان العراقي محصوراً في قفص الهزيمة يجتر الملامات ويدور في دوامة مفرغة من الاحتجاجات ومختلف اشكال الرفض والتنديد، في وقت لا يخفى على المتابعين بأن اساس المشكلة في العراق، اكبر من ان تحلها التظاهرات الجماهيرية، رغم ضرورتها وفوائدها الملموسة.

وهذا تحديداً ما اشار اليه سماحة المرجع الديني الامام السيد محمد الشيرازي – قدس سره- في "السبيل الى إنهاض المسلمين"، وهو يشير مرحلتي بناء الشخصية الاسلامية، وهما: "مرحلتي الهدم والبناء، فالاولى لتحطيم الثقافات الاستعمارية الغازية، وهدم البنى الفكرية المستوردة، ثم البناء الجديد...". واشار سماحته الى تجارب عديدة في العالم الاسلامي لمصلحين كبار وحركات قامت وعملت وضحت لتحقيق النصر مواجهتهم الحضارية مع المستعمر والافكار الدخيلة، بيد أنهم "فشلوا في اقامة الحكومة الاسلامية الواحدة، وعاد المسلمون عبيداً بأيدي الشرق والغرب، والسبب في ذلك، أن الامة كانت تعتمد على الجزء السلبي فقط، أما الجزء الايجابي في طرح برنامج بديل ومتكامل فلم يكن مطروحاً، او كان مطروحاً لكن لم يخرج الى حيّز التنفيذ...".

والعراق اليوم، ليس العراق في العقود الماضية، حيث كانت كل الفرص والقدرات في قبضة السلطة، متمثلة في حزب أو شخص واحد. بينما اليوم، في ظل التطورات الراهنة سياسياً، والتطور الملحوظ ثقافياً، فان هذه الفرص والقدرات متاحة للعراقيين، لذا نلاحظ بين فترة واخرى ، مبادرات مبدعة تظهر هنا وهناك في مجالات التطور العلمي والتصنيع وغيرها، نضيف اليها القدرة الذهنية الخلاقة لدى الانسان العراقي المضروب به المثل بين دول الشرق الاوسط. ولمن يبحث عن هذه الفرص الكبيرة، بامكانه إجراء مسح ميداني على المدارس والجامعات ليكتشف قدرات ومهارات مذهلة في مجالات عديدة.

وهذا البزوغ الكبير مردّه الى ازدياد نسبة الوعي في المجتمع لاسيما في شريحة الشبيبة والشباب، بفضل عوامل عدّة منها المنافذ الثقافية والفكرية الموجودة في الساحة وتسابق وسائل الاعلام والنشر على الحضور في الساحة.

وعليه؛ فنحن بحاجة الى حالة توازن في معطيات الوعي بين الحالة السلبية في مثالها العراقي، وبين الحالة الايجابية المفترضة حضارياً. وحسب تعبير مصطفى حجازي في "قراءات في علم النفس الايجابي"، فان الوعي يقف أمام "مهمة مزدوجة ضمن نطاق التفكير الايجابي يتمثل بشقيها؛ الاول: بالوعي بالمعوقات الذاتية الدافعة الى تعطيل الطاقات والركون الى الاستسلام، والثاني: بالوعي بالفاعلية الذاتية والجماعية والوعي بالامكانات والفرص المتاحة".

إن تحقيق هذا المطلب ليس بالأمر السهل، فهو ربما يتحول الى أزمة متفرعة اكثر خطورة من الازمة الأصل، لان الوعي، كمفردة وحالة تتعلق بحياة الانسان، لا تأتي عفوية، إنما تتمخض من جملة أعمال ونشاطات من لدن مؤسسات ثقافية ذات امكانات عالية، من الناحية المادية والمعنوية في آن. فهي التي تصنع الوعي في شقيه الايجابي والسلبي، وعندما توجه الوعي نحو الانقلاب والاقتلاع وغير ذلك... فان بامكانها ايضاً التوجيه نحو البناء والتخطيط والبرمجة ورعاية المواهب الشابة والقدرات الواعدة. فاذا تحقق التوازن، انعكس ذلك على الواقع مباشرة، لسبب بسيط واحد وهو؛ أن هذا الوعي بدوره سيصنع البدائل الجديدة للواقع الفاسد، وتكريس مفهوم التغيير التدريجي والمبرمج في اوساط المجتمع، وعدم استعجال الامور او "حرق المراحل" كما يحلو لبعض الساسة تسمية ذلك، إنما السير بخطوات ثابتة نحو التغيير الحقيقي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1